الأخبار الشاملة والحقيقة الكاملة​

2026-04-22

8:06 مساءً

أهم اللأخبار

أهم اللأخبار

2026-04-22 8:06 مساءً

فنان أوحت له الأساطير وصيرته كاتبا

010

عبدالله البوصيري

في الاحتفاء بمئوية المسرح الليبي كتب صاحب السيرة ما اقتطعته دون تصرف لنقترب أكثر من مفهومه تجاه مايعشق قال :

إن كلمة الدراما في أصلها اليوناني تعنى «الكلام المتزامن مع الحركة» وهذا النوع من الأدب البصري لم يعرفه العرب، وإنما عرفوا وعشقوا الفنون السمعية، إذن ذوق الإنسان العربي هو في الأصل ذوق يعتمد على حاسة السمع لا على حاسة البصر، وذلك كنتيجة لولعهم الشديد بالشعر الذي كان في الأساس شعرا غنائياً وجدانياً وليس حكائياً درامياً.. وهذا الولع يتمثل لنا في ظاهرة سوق عكاظ التي هي مجرد مباراة كلامية يشنف فيها الناس أسماعهم بأحلى الكلم، شعراً كان أم نثراً، ثم شاع فن النثر عن طريق رواة أخبار العرب، وفي العصر العباسي ظهر أدب الكدية، والمقامات، مثل مقامات بديع الزمان الحمداني والحريري، والزمخشري، وهي جميعها تسعى إلى متعٍ سمعية، ومن هنا اعتمد الدين الإسلامي على حاسة السمع لتوصيل آي القران الكريم وشرح أحكامه. وعندما استورد العرب المسرح جعلوه مسرحاً غنائياً يحفل بالشعر قبل سواه، فلا غرو إن افتقد المسرحيون العرب التركيز على القيمة البصرية في أعمالهم الدرامية والانشغال بالموضوع أكثر من الانشغال بطريقة العرض وفق حرفية المسرح، ثم ثمة سبب آخر وهو أن أغلب الذي يكتبون للمسرح العربي هم في الأصل أدباء (شوقي، وعزيز أباظة، والحكيم، وتيمور) وليسوا مسرحيين.. والأدهى من ذلك أن يغرق أصحاب النقد التطبيقي من العرب في ذات المطب حيث نراهم يركزون اهتمامهم على الموضوع ويهملون بقية العناصر الفنية الأخرى .

Extra 47.jpg3 47 فنان أوحت له الأساطير وصيرته كاتبا

هو ذاك الحالم بعيد النظر الواقعي القريب من الحدث الآني المتمكن من سبر غور التاريخ المأخوذ بالأسطورة أينما ذكرت ومتى وهكذا كان له أسلوبه الفني المتميز بخصوصية من يكتب عملا مسرحيا لا مشاهد ولا فصول بل ملحمة كبيرة مكتملة الأركان يستحضر فيها كل ما ذكرته آنفا ولكنه يعيد صياغة ما يعايش برؤيته الفنية المعاصرة المتفردة .

إنه الكاتب المسرحي “البوصيري عبدالله” المولود بمدينة  مصراته في العام 1946 م ، دراسته الأكاديمية كما ميوله وموهبته بعد استكمال دراسته الأساسية ارتحل إلى فرنسا ليستزيد بمن تعلق بحثا ودراسة فدرس المسرح والإخراج التلفزيوني  .. ولم يكن فترة دراسته متوقفا عن العطاء سواء الأدبي أو الفني فقدم في باريس مسرحياته وظل يكتب نصوصه المهمة .. البوصيري عاشق المسرح كتب العديد من النصوص المسرحية وكتب عميقا في المسرح والنقد ، ونشرت مقالاته المتخصصة عبر عديد الصحف والمجلات العربية والمحلية في ليبيا قبل أن يجمعها في كتب مختلفة المشارب ..  وتشير حكايته مع الكتابة المسرحية إلى مسرحيته المهمة ( لعبة السلطان والوزير) التي نالت شهرة ليبية محلية وعربية حينما نشرت بمجلة الأقلام العراقية في سبعينيات القرن الماضي ذاع صيتها وكاتبها فكسبت الساحة الأدبية الليبية كاتبا قديرا أجاد التفنن فيما عشق راسما خطواته المهمة في مجاله الفني والأدبي .

كتب عنه الأديب أحمد الفيتوري في مقال تفصيلي :

البوصيري كابد معاناة: أن يكون أو لا يكون حسب شكسبير. من باريس ملأ جعبته بالدرس الأول: أن المسرح أستاذ الشعوب، أن الشعوب من الكادحين، لا يكون المسرح أستاذهم إلا متى كان ملتزماً. فكدح أن يعيش في الوطن مثلما عاش في باريس، في باريس التلميذ المجد من عاندته اللغة، في بنغازي سيعاند اللغة فيرحل إلى القاهرة، لأجل أن تطاوعه لغته الأم العربية. وهذه عقدة من عقد فريد، صاغه البوصيري عبد الله في مبتدئه، ما سيختلف بالضرورة عن خبره.

غبت عن مكتبتي زمناً، عندما قاربتها منذ أيام، عند عودتي من سفر ليس بالقصير، أمسك بأصابعي مصادفة كتيباً صغيراً، سيكون عمود المقال هذا، أدهشني ما لقيت فانسكبت الذاكرة مترعة: الكتيب كراسة من كراسات البوصيري عبد الله. الغلاف بسيط والحجم كتاب جيب/ 64 صفحة. الغلاف الأول: ثلجي تقطعه خطوط طويلة على العرض والطول، اللون قرمزي محمر، الكتابة زرقاء: الكراس المسرحي (1)/ تطور المفاهيم المسرحية/ بقلم البوصيري عبد الله. حقوق الطبع محفوظة للمؤلف/ الطباعة دار الحقيقة بنغازي/ الغلاف الأخير: السعر 250 درهماً/ ثم الكلمة التالية: «لا أطمح من وراء هذه السلسلة، إلا أن تساهم في الثقافة المسرحية، وأن تحقق للفنان المسرحي نوعاً من الاعتبار المعنوي، في مجتمع يعيش فيه غريباً مطارداً… ولا شيء أكثر – البوصيري».

لا يوجد تاريخ للطباعة، لكن في آخر الكراس كتب: طرابلس 25/ 5/ 1972م. ثم أن النسخة ليست نسختي، بل جاءتني هدية ممن كتب المؤلف الإهداء التالي إليه: الأخ على المصراتي، مع جزيل الشكر على هذا التشجيع، ثم توقيع البوصيري عبد الله والتاريخ 11/12/ 1972م. أما عن محتويات الكراس المسرحي (1) فمنها: مدخل- وقفة أمام حتمية التطور المسرحي، المسيرة الكبرى – المسرحية اليونانية – المسرحية الرومانية- المسرحية الإليصباتية- المسرحية البرجوازية – الميلو-دراما – المسرحية الرومانطقية … وفي الصفحة الأخيرة: العدد القادم حول شعار المسرح أستاذ الشعوب.

لقد كتب البوصيري عبد الله كراساته، ثم أخرجها وراجعها وصححها، ثم طبعها على حسابه الشخصي، من قوته اليومي الأقل من القليل، ثم حملها ووزعها بيده، للزملاء والأصدقاء، ثم حمل وزر ما فعل، فقد ووجه بتهم جمة في نظام سياسي واجتماعي متعسف، ووسط فني صعب المراس، اتجاه التثقيف والمبادرات الفردية. رغم هذا وغصباً، لم يكل آنذاك البوصيري عبد الله، عن أن تكون له كراسات، هي في الثقافة المسرحية سبق لا مثيل له: الهدف الطريق والطريقة، والمسير لأجل ذلك هو الوصول .

Extra 28.jpg6 28 فنان أوحت له الأساطير وصيرته كاتبا

__________________

 إلى جانب الكتابة المسرحية صب  “البوصيري” اهتمامه على الإخراج المسرحي وكأنه أراد تجسيد شخوصه وتحريكها على الركح برؤيته الخاصة كما عاشها أثناء الكتابة .. بل تفنن بعيدا في تصميم الديكور والمناظر بما يتمازج ويتغلغل المكتوب والمجسد على المسرح .. إنه شخصية فنانة إلى هذه الدرجة .. وقد كتب عنه كثر ومن أجمل ما قرأت وأنا أجمع سيرته العطرة ماجاء في مقدمة الأديب  مفتاح قناو  .. جاء في مقتطفات فيها :

(( البوصيري عبدالله فنان عاشق للمسرح يرى أن المسرح هو الحياة بكاملها، قاده عشقه للمسرح أن يغادر البلاد مبكرا وعلى حسابه الخاص في اتجاه باريس من أجل دراسة المسرح، درس وشارك هناك في أعمال مسرحية، ثم عاد للبلاد مع بداية نهضة مسرحية ثالثة كما يصفها هو .. قادها فنان أخر عاشق للمسرح هو الفنان إبراهيم العريبي الذي سعى بداية السبعينيات مع آخرين إلى تأسيس أول هيئة للمسرح في ليبيا .. عاد البوصيري عبد الله وكله أمل ورغبة في المشاركة في نهضة مسرحية ليبية  .. كما أثرى المكتبة الليبية بعدد كبير ومميز من المسرحيات ولعل مسرحيته الهامة ( لعبة السلطان والوزير) والتي نشرت بمجلة الأقلام العراقية في السبعينيات ونالت شهرة عربية قد أعلنت عن كاتب حاذق يجيد هذا الفن ويضع خطوات هامة على الطريق .. كما لا يعترف البوصيري عبد الله بوجود ( أزمة نص ) في المسرح الليبي ، فالنصوص المكتوبة الجاهزة كثيرة تنتظر التنفيذ ، ولكن المسرح الليبي يعيش أزمة وعي برسالته ودوره في التثقيف والتنوير كما يرى بأن هناك حاليا نوعان من الكتابة المسرحية ، مسرحيات تكتب خصيصا للتنفيذ على المسرح وتسمى (الكتابة الركحية) ومسرحيات أخرى تكتب للمسرح وقد تظل حبيسة الكتب لا تصل إلى مرحلة العرض على الجمهور  . ))

 الفنان المسرحي المخرج والكاتب لم يتوقف عند باب المسرح ..  فولج بوابة الإذاعة بذات الحماس والقوة ليقدم ويعد عبر أثيرها مجموعة من البرامج الأدبية والفنية أفكارها جديدة فكان لها جمهور عريض من المستمعين .

عزز حصوله إذن على ماجستير المسرح والإخراج التلفزيوني بفرنسا علاقته بالمسرح خبرة عملية وأكاديمية وبالإخراج التلفزيوني وتصميم الديكور .. واكتملت الصورة لدى الجميع بقيمة المبدع البوصيري حينما جمعت الفنون التصويرية التجسيدية فن الكتابة المسرحية المميزة بلونه ثم النقدية لتفوز مسرحيات من صنعه بداية ونهاية بجوائز مهمة عربية ومحلية آخرها الجائزة الثانية في التأليف المسرحي لعام 2016 من الهيئة العربية للمسرح بالشارقة عن مسرحية “آلهة العرب”.

  • شارك في الدورة الثالثة عشر للمهرجان الوطني للمسرح . بطرابلس فصدر كتيب المهرجان وكتيب “مسيرة الكتاب المسرحي” بقلم الناقد البوصيري عبد الله .
  • كلف برئاسة لجنة تقييم جائزة عبدالله الزني للتأليف المسرحي .

اعتبر عبدالله أن المسرح في ليبيا مر بمراحل ثلاثة مهمة قال عنها في أحد لقاءاته الصحفية مبينها بالتواريخ :

#  لم يعرف المسرح الليبي عصراً ذهبياً واحداً، بل عاش ثلاثة عصور ذهبية، كان أولها في فترة الأربعينات وتحديدا من سنة 1944 إلى 1948، ففي هذه الفترة كان المسرح الليبي يدور على ستة محاور هي: الفرق المسرحية العاملة وفرق النوادي الرياضية وفرق المؤسسات الشبابية كرابطة الشباب الإسلامية والفرق الإيطالية المقيمة والفرق الإيطالية الزائرة التي كانت لها زيارات شهرية تقريباً، بالإضافة إلى المسرح المدرسي الذي كان له مهرجان خاص يقام كلُّ عام بمناسبة المولد النبوي الشريف.
والعصر الذهبي الثاني كان في فترة الستينات، أي في الفترة الممتدة من سنة 1964 – 1967. في هذه الفترة تولى خليفة التليسي وزارة الإعلام والثقافة فأسس إدارة الفنون والآداب وأسند إلى الفنان المسرحي شعبان القبلاوي قيادة هذه الإدارة، فيما أسندت مهام رئيس قسم المسرح إلى المسرحي عبد الحميد المجراب، فشهد المسرح خلالها هذه الفترة إزهارا طيباً نعثر على صداه في صحف المرحلة المرصعة بكتابات النقاد: سليمان كشلاف، ومحمد أحمد الزوي، وفوزي البشتي، والصيد أبو ديب، وعبد الرحمن الشاطر. والجدير بالذكر أنه في هذه الفترة تأسست فرقتان للمسرح الوطني إحداهما بطرابلس والثانية بمدينة ببنغازي، كما تأسس معهد التمثيل والموسيقى بطرابلس.
أما العصر الذهبي الثالث فانطلق في سنة 1971. وقد قاد حركة الازدهار هذه رجل عشق المسرح على نحو نادر الوجود ألا وهو إبراهيم عريبي الذي يجب أن نحييه بهذه المناسبة، فقد سعى هذا الرجل إلى تأسيس ظاهرة المهرجانات المسرحية، وأصدر لوائح المكافآت للممثلين والمخرجين والكتاب، ووزع مقاراً على الفرق المسرحية وقد كانت قبل ذلك تقيم في «جراجات». وقد أسفرت جهوده النبيلة عن تأسيس الهيئة العامة للمسرح والموسيقى وهي أعلى درجة إدارية يحظى بها المسرح الليبي. وعملت هذه الهيئة على إيفاد عددٍ من المواهب لدراسة فنون المسرح دراسة تخصصية. ومن مميزات هذا العصر الذهبي أنه استطاع أن يخلق أقلاماً جديدة مارست النقد التطبيقي – مع التحفظ – الأمر الذي ساعد في لفت أنظار الناس إلى النشاط المسرحي الوطني.

أهم أعماله المسرحية والمؤلفات التي ألممت بها أثناء بحثي في مسيرته وسيرته الحافلة بالعطاء ما أثرى به المسرح الليبي والمكتبة الثقافية من نتاج مهم :   

  1. آلهة العرب:  مسرحية
  2. تحولات : مسرحية من وحي الأساطير.
  3. أوريست يعود إلى المنفى: عمل مسرحي متكامل .
  4. تفاحة العم قريرة:  من أعماله المسرحية المعروفة.
  5. الغربان وجوقة الجياع:  عمل مسرحي.
  6. سجينة الجدران:  عمل مسرحي.
  7. من وحي الأساطير (الجزء الثاني:  كتاب يتضمن ثلاث مسرحيات. 
  8.  أحوال حايلة : مسرحية لم تجسد بعد .

في ختام رحلتنا في مسيرة الفنان الكاتب البوصيري عبدالله جعله الله ذخرا وأملا لأجيال فنية قادمة تسير على نهج الكفاح من أجل الموهبة والهواية والرسالة منتظرين في قادم أيامه المكللة بالصحة منه المزيد .. فنقتبس لحضراتكم رأيه في بعض المناحي الفنية والحياتية ضمن رسالته إذ يرى :

Extra 26.jpg7 26 فنان أوحت له الأساطير وصيرته كاتبا

# الخوف من المجهول سلطة رقابية من نوع آخر .

# يتعذر علينا – للأسف – قراءة النص المسرحي الليبي الآن.. وخلال السنوات الأخيرة، وذلك لعدم وجود نصوص مسرحية تسمح لنا بالتأمل والتقويم.. ليست ثمة نصوص منشورة لا في الصحف، ولا مطبوعة في كتب، أما فيما يخص النص «الركحي»، أي المسرحيات التي تكتب مباشرة إلى الفرق .

# الخطاب المسرحي الحقيقي .. أي الخطاب الذي يسترشد وينقد ويحلل ما فتئ غائباً .. وإذا حضر كموضوع .. غاب كقيمة فنية .

# 2018 كتبت مسرحية جديدة بعنوان «أحوال حايلة»، إنها «كوميديا سوداء مثل ليلة بلا قمر .. عنيت عناية خاصة بتصوير السلبيات التي ووقفت عند المعوقات التي تحول دون تطور البلاد واستقرارها .. لم ألقِ اللوم على السياسيين إنما ألقيت اللوم على الشعب الذي عبرت بعض فئاته عن مخزون من الدموية والأنانية والجشع وغياب الوعي على نحو لا يوصف ، ولذلك تنهض المسرحية على كشف أربعة نماذج تمثل أربعة كيانات أفرزتها المرحلة. ومع ذلك لا أعرف سبيلا إلى عرضها، فكل زملائي من المخرجين الذين تحمسوا للنص ما لبث حماسهم أن خمد واصفين النص بأنه (خطير) .. وهكذا يصبح الخوف من المجهول سلطة رقابية من نوع آخر .

الرئيس الذهبي أديب ليبي سعودي صنع حياة مجيدة من العدم

شاعر تمازج فنا فكان صاحب الإيقاعات المتداخلة

شارك المقالات:

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حاسبة العملة