حوار : أنس بن عامر
في ظل الجدل المتصاعد حول استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إعادة إنتاج الأعمال الموسيقية، وما يرافق ذلك من نقاشات حول حقوق الملكية الفكرية وحدود الإبداع، تبرز تساؤلات جديدة حول مستقبل الصناعة الفنية في عصر تتداخل فيه التقنية مع الفن بشكل غير مسبوق.
وفي هذا السياق، يفتح الفنان أحمد فكرون قلبه للحديث عن تجربته الطويلة مع قضايا الاعتداء على أعماله الفنية، وكيف يرى التحولات التي فرضها الذكاء الاصطناعي على المشهد الموسيقي، بين من يعتبرها تطور إبداعي، ومن يراها تهديد مباشر لحقوق الفنانين.
وفي الحوار التالي، يجيب فكرون عن عدد من الأسئلة التي تتناول جذور هذه الإشكالية، وموقفه من إعادة استخدام أعماله عبر التقنيات الحديثة، ورؤيته لمستقبل الإبداع في ظل هذه التحولات المتسارعة:
– الفنان أحمد فكرون، تابعنا منشورك على فيسبوك الذي أعدت فيه نشر مقطع لإحدى الصفحات استخدمت فيه لحن أغنية “سمر الليالي” بعد إعادة توزيعه بالذكاء الاصطناعي، واعتبرت ذلك انتهاكاً لحقوقك الفنية. كيف تصف هذا التصرف؟
إن عملية الاستيلاء على أعمالي ليست جديدة، بل تعود إلى سبعينيات القرن الماضي. فقد كانت أولى حالات الاعتداء تتمثل في تزوير أعمالي. أذكر أن أول تزوير طال أغنيتين سجلتهما عام 1972 في لندن.
في إحدى المرات، وجدتُ محلاً في ليبيا يبيع أعمالي، وكانت الأشرطة معروضة بكميات كبيرة على الرفوف. وعندما أنذرت صاحب المحل وأخبرته أنني سأستدعي الشرطة، خرجتُ بالفعل وأوقفتُ شرطياً كان يمر في السوق، وشرحتُ له الأمر. تعاطف معي، وجاء برفقتي، لكن عند دخولنا المحل وجدنا أن الأشرطة قد أُخفيت بسرعة من قبل صاحبه.
كانت تلك أولى وقائع سرقة أعمالي، ثم اتسعت لاحقاً، حتى إن بعض الشركات المحلية الكبرى، ابتكرت جهازاً ينسخ الأشرطة خلال دقائق معدودة، ووقعتُ أنا أيضاً ضحية لهذه الممارسات.
في البداية، كنتُ أشرف على إنتاج أعمالي بنفسي، وكنت أطبعها في إيطاليا وأوزعها في ليبيا، وكان التجار يأتون من طرابلس لشرائها، غير أن هذا المشروع لم يستمر طويلاً، بسبب ما يمكن وصفه بحرب ضد نجاحي ومحاولات واضحة لإفشاله.
– هل ترى أن إعادة توليد أغنياتك بالذكاء الاصطناعي يُعدّ تجاوزاً لحقوقك الفنية، أم يمكن اعتباره تعبيراً عن محبة الجمهور وحنينه لأعمالك؟
إن القضية طويلة ومعقدة، لكنها بدأت منذ وقت مبكر جداً. فقد شهدت أعمالي عمليات سرقة وتزوير مباشرة منذ السبعينيات.
أذكر مثالاً على ذلك، قرصان أشرطة يُدعى “علي مصباح العجيلي”، قام بتزوير شريط لي بعنوان “انتظار”، صدر في مصر، ثم طبع منه كميات كبيرة ووزعها في ليبيا. حينها، تواصلت مع المحامي الراحل “علي التاورغي”، رحمه الله، الذي أعد مذكرة قانونية وقدمها إلى القضاء للمطالبة بمصادرة الأشرطة المزورة.
توجهتُ بنفسي إلى المحكمة في بنغازي، وكانت تلك الليلة ليلة عيد. وعندما دخلتُ على القاضي الصلابي، ظن أنني جئت لإعلان رؤية هلال العيد، فقلت له مبتسماً : “لا يا حضرة القاضي، بكرا شريط!”، وسلمته المذكرة.
وقد تم اعتمادها بالفعل، ورافقتني الشرطة القضائية لتنفيذ قرار الحجز على الأشرطة في مخزن علي العجيلي، وكسبت القضية حينها استناداً إلى قانون الملكية الفكرية المعمول به في عهد المملكة الليبية.
لكن بعد ذلك، لم تتوقف الاعتداءات. حتى بعض الجهات الرسمية قامت بطبع وتوزيع بعض أعمالي، وأحياناً كانت تُطبع بشكلٍ خاطيء، حتى إن ألوان أغلفة بعض الأشرطة تم تغيير لون بشرتي إلى الأسود، ولا أعلم إن كان ذلك خطأً أم أمراً مقصوداً.
والحقيقة أن هذه الاعتداءات استمرت حتى اليوم، وأصبحت أكثر انتشاراً، وكأن هناك استباحة واضحة للحقوق. ولم يعد الأمر مقتصراً على النسخ القديمة، بل تطور إلى ما يشبه حرباً مفتوحة على الملكية الفنية.
كما نُسبت بعض أعمالي إلى أسماء أخرى، مثل “حميد الشاعري”، حيث أعاد تقديم بعض أغنياتي مثل “نسيان” و”نجوم الليل” و”ترحال”، التي عُرفت لاحقاً باسم “رحيل”، عنوان أحد ألبوماته. وهناك غيرها الكثير من الأعمال التي تم الاستيلاء عليها داخل ليبيا وخارجها.
واليوم، أخذت القضية شكلاً جديداً مع الذكاء الاصطناعي، حيث يُعاد إنتاج الأغاني أو تقليدها، ثم يُقدَّم ذلك على أنه إبداع جديد بنقرة زر، بينما في الحقيقة يتم استغلال أعمال الآخرين دون وجه حق، ويهدد حقوق الفنانين ويؤدي إلى إعادة إنتاج أعمالهم دون إذن.
– في ظل الانتشار الواسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح من الممكن إعادة تقديم الأغاني بأصوات مختلفة، لدرجة أننا قد نسمع عملاً لكبار الفنانين بأصوات أخرى. كيف تنظر إلى هذه الظاهرة؟!
نظرتي إلى هذه التقنية الحديثة تقوم على التساؤل : هل هي ظاهرة إيجابية أم سلبية؟
أرى أن هذه الظاهرة تحتاج إلى مستوى عالٍ من الوعي والثقافة حتى يمكن الاستفادة منها بشكل صحيح.
يمكن لهذه التقنيات أن تقدم إمكانيات واسعة، وقد سبق أن سُئلت من قبل مؤسسة “ساسيم” عن رأيي في الذكاء الاصطناعي، وكان جوابي أنه إذا استُخدم بشكل إيجابي، فقد يحقق فائدة حقيقية، لكن ما يحدث حالياً أقرب إلى النسخ منه إلى الإبداع.
فالبعض يلهث وراء الشهرة والمال، بينما لا يتعلق الأمر بالفن الحقيقي، لأن ما يجري في جوهره هو استنساخ للأعمال، حتى وإن تم عبر أدوات الذكاء الاصطناعي.
فبمجرد كتابة طلب بسيط للذكاء الاصطناعي مثل: “أريد صورة لقط وكلب يلعبان”، يتم تنفيذ ذلك خلال ثوانٍ. فهل يمكن اعتبار هذا إبداع حقيقي أو فن؟!
والأغاني التي قاموا بنسخها بالذكاء الاصطناعي هي: “الفلاح”، و”الشمس”، و”نجوم الليل”، وغيرها من الأعمال.
ومن قام بذلك قناة على يوتيوب تحمل اسم “Oya Beatz”، ويدّعي أنه قام بتطويرها، بينما في الواقع من قام بذلك هو الذكاء الاصطناعي. هذه التقنية جاءت لتساعد الفنان لا لسرقته، ولو كانت لديهم دراية حقيقية، لامتنعوا عن النسخ.
وأقول لهم: لن أتهاون مع من يسرق أعمالي، وإذا كنتم فعلاً مبدعين، فقدموا أعمالكم بأنفسكم، والله يهديهم إن شاء الله.
– جمهورك لا يزال حاضراً بقوة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تُتداول أعمالك باستمرار ويعبّر الكثيرون عن اشتياقهم لك. هل هناك موعد قريب للقاء الجمهور الليبي، خاصة مع استمرار نشاطك الفني في عدة دول أخرى؟
أنا على علم باشتياق جمهوري، وأبادلهم الشعور نفسه، وأتطلع إلى لقائهم قريباً والاستماع إليهم.
حتى الآن، لا توجد خطط مؤكدة لإحياء حفلات في ليبيا، لكن ذلك وارد، فتنظيم الحفلات الموسيقية يحتاج إلى ترتيبات وإمكانات كبيرة، وإذا توفرت بالشكل المناسب، فلن أتردد في لقاء جمهوري داخل بلدي.






