مع اقتراب عيد الأضحى المبارك وارتفاع الإقبال على شراء الفحم النباتي المعروف محليًا بـ«البياض» لاستخدامه في تجهيز الأضاحي والطهي، تتجدد في المقابل ظاهرة قطع الأشجار وتحويلها إلى فحم في عدد من المناطق الليبية، في مشهد يثير مخاوف بيئية متزايدة.
وبين ارتفاع الطلب والمكاسب السريعة، تتسع دائرة التجاوزات لتطال الغطاء النباتي والأشجار المعمرة، وسط تحذيرات من المختصين بأن هذه الممارسات لا تهدد المشهد الطبيعي فحسب، بل تمتد آثارها إلى التربة والتنوع الحيوي والتغير المناخي، فضلًا عن مخالفتها للقوانين المنظمة لحماية الغابات والموارد الطبيعية.
وخلال الأيام الماضية أثارت مقاطع فيديو انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي غضب المتصفحين، إذ أنها أظهرت قطعا للأشجار الكبيرة خاصة الواقعة على الطريق الساحلي في المدخل الشرقي لمنطقة طمينة بمصراتة، وذلك بهدف تحويلها إلى فحم.


انتقادات لاذعة لعمليات القطع
وفي هذا الصدد وصف أحد المواطنين بأن هذا الفعل المشين يعتبر “مأساة”، مشيرا إلى أن بعض الأشجار التي تم قطعها يصل عمرها إلى 100 عام، منتقدا ردود من يفعل ذلك بأنه سوف يتم تشجير المنطقة وزراعة أشجار أخرى.
من جهته، علق أحد المدونين المعروفين باسم “عابر الصحاري” قائلاً إن “الأشجار التي جرى قطعها تعد من أبرز معالم المدخل الشرقي لمدينة مصراتة”، مردفاً أنها “كانت تضفي جمالية خاصة على الطريق، ويستمتع المسافرون بالمرور بمحاذاتها منذ عشرات السنين”، فيما تساءل: “كيف سيتم تعويضها الآن ومتى يتم التحرك لمحاسبة المخالفين؟”.
أما المدون عبد الكريم السبيعي، فوصف المشهد بـ”المؤلم”، وكتب: “الأشجار التي كانت تظلل الطريق وترافق المسافرين منذ عقود، تحولت اليوم إلى أكوام خشب بانتظار التفحيم”، مضيفاً أن ما يحدث “ليس مجرد قطع أشجار، بل خسارة جزء من ذاكرة المكان وجماله، وكارثة بيئية تحدث أمام أعين الجميع”.
ارتفاع أسعار الفحم
ومع ذلك تشهد أسواق الفحم النباتي المعروف محلياً بـ”البياض”، موجة ارتفاع مع اقتراب عيد الأضحى، حيث وصل سعر الكيلو جرام إلى ما يتراوح بين 5 و 7 دينار، بعد أن كان سعره لا يتجاوز 3 دنانير.
يأتي ذلك اختلالات واضحة في مسارات التوزيع التي تعتمد على موزعين أفراد يفترشون الطرق العام في سوق تسيطر عليه العمالة الوافدة بشكل كبير، ومع ندرة عدد من الأصناف الأكثر طلباً، خاصة فحم “الليمون” المعروف بجودة الاحتراق وقلة الدخان.
مركز البحوث الزراعية ينبه للأزمة
من جانبه قال باحث ومحاضر في مركز البحوث الزراعية خليفة الفراج، في تصريحات لـ “المنصة”، إن عمليات قطع الأشجار بدأت منذ عقود في الجبل الأخضر حيث يكثر الغطاء النباتي، وكانت تستخدم من زمن لأنه لم يكن هناك بديل للتدفئة ولكن في العقد الأخير تحولت إلى تجارة رائجة نتيجة عاملين الأول البطالة، وكذلك ثقافة الطهي على الفحم لما لها من مذاق خاص في نظرهم.
وأوضح أن الفحم النباتي وصناعة الفحم، موضوع قديم جديد يعتمد في مجمله على عملية التحلل الحراري غير الكامل للأخشاب، والتي تتم في ظروف نقص الاكسجين، حيث يتم قطع الأشجار وجمعها وتوضع على شكل قبة تغطى بالأغصان ثم طبقة من التراب، وتشتعل لعدة أيام إلى أن تتحول المادة الخشبية إلى فحم قابل للبيع في الأسواق.
وبين الفراج أن الأنواع النباتية المستخدمة من قبل صانعي الفحم النباتي هي العرعر، الخروب، الزيتون البري، السرو.
وأشار إلى أن عمليات قطع الأشجار لها عدة تأثيرات منها تأثيرها على كثافة الغطاء النباتي، حيث يؤدي إلى إضعاف التجدد الطبيعي نتيجة الاستنزاف وبالتالي تدهور التربة والبدء في أزمة انجراف التربة، كذلك التأثير على تنوع الحياة البرية واضطرار تلك الحيوانات والحشرات للهجرة، وبحدوث هذه العوامل بدء مظاهر التصحر وقد بدأت في جنوب الجبل الأخضر.
ونبه الفراج إلى أن صناعة الفحم لها تأثير على التغير المناخي، حيث أن صناعة الفحم هي حرق للغطاء النباتي والغابات هي خزانات كبيرة لعنصر الكربون وتحررها يسبب الاحتباس الحراري.
الحلول المقترحة
وفيما يخص الحلول، فرأى أنا هناك حلولًا اجتماعية واقتصادية وأخرى تشريعية، ويجب أن تنطلق الحلول من إيجاد إدارة مستدامة لإدارة الغابات، ومن ثم التشجير على أن يكون منظم ويكون بشكل مهيكل من قبل جهات مختصة، وكذلك تحديث التشريعات، وتوفير بدائل لمن يلجأ لهذه المهنة.
واقترح الفراج أن يتم الاقتداء بالدول المجاورة مثل المغرب التي قامت بحملة تشجير واسعة، ووفرت الغاز الطبيعي للمنازل وأشركت السكان المحليين في حملات التشجير، منبهة إلى أن لن ينجح أي نظام بيئي إلا عندما يكون السكان جزء من الحل.
وأشار إلى أن تونس شددت الرقابة على الغابات، لكن تجربة تركيا كانت الأفضل حيث أنها أسست إدارة علمية متكاملة لإدارة الغابات.
وأكد الباحث في مركز البحوث الزراعية في ختام حديثه أن أزمة الفحم ستظل قائمة مالم يسند صانع القرار الخطوة الحاسمة بأن يسند الأمر لمختصين وينشئ مؤسسات تخصصية ترعى الجبل الأخضر وتعيد تأهيل المنطقة تحت سيادة القانون.
الشرطة الزراعية تنفذ دوريات تفتيش في الغابات
في المقابل قال المتحدث باسم جهاز الشرطة الزراعية عميد عادل خطاب بريدان، في تصريحات لـ “المنصة”، إن الجهاز باشر في تنفيذ خطط ميدانية مكثفة تمثلت في تشكيل دوريات تفتيش ومتابعة داخل مناطق الغابات ومواقع الاشتباه، وتم ضبط عدد من المخالفين المتورطين في أعمال قطع الأشجار وإنتاج الفحم بصورة غير قانونية وتم اتخاذ الإجراءات القانونية وإحالتهم للنيابة العامة.
وأكد بريدان أن معالجة الظاهرة تتطلب حلولا شاملة تتجاوز الجانب الأمني والرقابي أبرزها تشجيع استيراد الفحم النباتي كبديل يخفف الضغط على الغابات المحلية وإعادة النظر في السياسات الجمركية والتنظيمية المتعلقة بالفحم المستورد، وذلك بالإعفاء الجمركي بما يسهم بالحد من الاعتماد على المنتج من الأشجار المحلية، كما رأى أهمية إشراك المواطنين القاطنين داخل المناطق الغابية في خطط الحماية والمحافظة على الغابات خاصة الشباب والعاطلين عن العمل عبر توفير برامج تشغيل ومبادرات مجتمعية تجعلهم شركاء في الحماية بدلا من أن تدفعهم الظروف الاقتصادية لاستنزاف الموارد الطبيعية.
وشدد بريدان على أن دور الإعلام والتوعية المجتمعية لا يقل أهمية عن الجهود الميدانية مؤكدا على ضرورة تعزيز الحملات الإعلامية بهذا الشأن باعتبارها مسؤولية جماعية.
وفي ختام حديثه مع المنصة جدد التأكيد على التزام واستمرار الجهاز في حماية الغابات والغطاء النباتي والتعاون مع كافة الجهات الرسمية والمجتمعية .
ومع تصاعد الجدل حول هذه الظاهرة، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة الجهات المختصة على الحد من عمليات القطع غير القانوني، بالتوازي مع توفير بدائل اقتصادية وتشريعية تقلل الضغط على الغابات.
وبين حملات الرقابة والدعوات إلى التشجير والإدارة المستدامة للموارد، يبقى الحفاظ على الأشجار مسؤولية مشتركة لا تقتصر على المؤسسات وحدها، بل تبدأ من وعي المجتمع بأن حماية الغطاء النباتي ليست خيارًا مؤقتًا، بل استثمار طويل الأمد في البيئة والإنسان ومستقبل الأجيال القادمة.
خاص/ المنصة
أشجار الجبل الأخضر تتحول إلى فحم لشواء الأضاحي
تشكيل غرفة للشرطة الزراعية بالجبل الأخضر لحماية الغطاء النباتي من التعديات