اختلفت طقوس الأعياد بين الماضي والحاضر، وبعضًا منها وصل إلى حد الاندثار، حتى أن الأجيال الجديدة لم تعد تعرف الكثير من هذه العادات والتقاليد المتبعة في هذه المناسبات الدينية.
ومن بين هذه المناسبات عيد الأضحى المنتظر خلال الأيام القادمة، وفي هذا الصدد يروي لـ “المنصة” الحاج سالم فرير الدرسي بعض العادات المتبعة في الماضي خلال عيد الأضحى وأيامه المباركة.
يقول الحاج الدرسي نطلق على عيد الأضحى، العيد الكبير، أو عيد اللحم، وفيه كان يتم التضحية بكبش أو نعجة أو ماعز، حيث لم يكن هناك إصرار أو تدقيق على ضرورة ذبح كبش في هذا اليوم.
وأضاف أنه بعد التضحية يتم أخذ بعض اللحم لطهيه خلال أيام العيد ومن ثم يتم تقطيع باقي لحم الأضحية وتجفيفه ويطلق عليه “قديد” أما الشحم فيتم إذابته وإضافة بعض الملح له وحفظه في حافظات خاصة.
وأوضح الدرسي أن العائلات الليبية كانت تلجأ لهذا التقليد نتيجة عدم وجود ثلاجات للحفظ كما هو الحال اليوم.


تقاليد تكاد تندثر
وذكر الحاج الدرسي في حديثه للمنصة أن هناك تقليدا يكاد يندثر اليوم وهو عيد الموتى، موضحًا أنه في هذا التقليد يتم ذبح شاة من قبل عائلة أي متوفي لم يبلغ العام وذلك يوم وقفة عرفات، حيث يتم طهي وجبة منها والتصدق بما تبقى من الذبيحة للفقراء والمساكين على روح المتوفي.
وخلال هذه الأيام تتناقل وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي بعض العادات الأخرى التي تكاد تندثر في عيد الأضحى ومن بينها قيام النساء الليبيات قبل ذبح الأضحية بساعات بتكحيل عينيها بقلم الكحل الأسود، أو ما يعرف بـ«الكحل العربي»، وبعد ذلك تقوم النساء بإشعال النيران والبخور، ويبدأ أهل الدار أو الحاضرون بالتهليل والتكبير، بينما يتم صبغ الكبش بالحناء في ليلة العيد.
ويقدم الليبيين الطعام والشراب للأضحية قبل الذبح، وبعد ذلك يقومون بحفر حفرة تناسبها ليوضع فيها الكبش أو الخروف.
ذبح الأضحية
وعند الذبح يكون رأس الأضحية موجهًا في اتجاه القبلة، ويقم أحد الرجال بإمساك سيقان الأضحية بيده اليسرى ويضع يده اليمنى على رقبتها، ويهم رجل آخر بذبحها وفق تعاليم الشريعة الإسلامية.
يخرج بعض الحدادين في شوارع مدينة طرابلس قبل العيد حاملين معهم أحجار السن الكبيرة لسن وشحذ السكاكين وبعض أدوات الذبح الأخرى.
مظاهر العيد في طرابلس
كانت مظاهر الاحتفال بعيد الأضحى في ليبيا قديمًا تختلف من منطقة إلى أخرى، وتحمل كل مدينة طابعها الخاص. ففي طرابلس، كانت النساء يبدأن منذ ساعات الفجر الأولى في تجهيز أماكن استقبال الضيوف وتعطيرها بالبخور، فيما يحرص الرجال على ارتداء «الزبون»، وهو زي تقليدي يتكون من ثلاث قطع: البنطال والقميص والفرملة المزينة بخيوط الحرير، ويُرتدى عادة فوق الجلابية البيضاء قبل التوجه لأداء صلاة العيد.
وتستعد الأسر الليبية لهذه المناسبة بتنظيف المنازل وتزيينها، ومع بزوغ فجر أول أيام عيد الأضحى يستيقظ أفراد الأسرة مبكرًا لأداء صلاة الفجر ثم صلاة العيد في الساحات المفتوحة أو المساجد بحسب ظروف كل منطقة، مرتدين الأزياء التقليدية الليبية وعلى رأسها «الكاط الليبي». وبعد انتهاء الصلاة تبدأ زيارات المعايدة وتبادل التهاني، مع الحرص على زيارة كبار السن قبل الشروع في ذبح الأضاحي.
وعقب انتهاء خطبة العيد، كان الإمام يتجه مباشرة إلى منزله لذبح أضحيته، وبعد الانتهاء يرش شيئًا من دم الأضحية على سعفة نخيل ويعلقها أمام البيت كإشارة إلى انتهاء الذبح، وهو ما يدفع بقية الأهالي للعودة إلى منازلهم وبدء ذبح أضاحيهم، وفق ترتيب يبدأ بأضحية كبير الأسرة ثم الأصغر سنًا.
أهم وأبرز الوجبات في العيد
بعد الذبح تُعلق الأضحية على معلاق خشبي، ويكون أول ما يُتناول منها عادة جزء من الكبدة المشوية. أما وجبة الإفطار فتتكون من خليط الكبد والرئة والقلب فيما يعرف محليًا باسم «القلاية»، وتُقدم إلى جانب خبز التنور.
وعقب الانتهاء من الذبح، تجتمع الأسرة عند كبير العائلة سواء الأب أو الجد أو العم الأكبر لتناول وجبة الغداء، وتستمر هذه العادة على مدار نحو ثلاثة أيام. وتتنوع الأطباق بحسب المناطق؛ ففي الغرب والجنوب تشتهر «قصعة البازين»، بينما تميل مناطق الشرق إلى إعداد «طبيخة البطاطا»، إلى جانب أطباق الشواء.
ومن العادات القديمة أيضًا ترك الأضحية معلقة حتى ثاني أيام العيد المعروف باسم «يوم التقطيع»، وهي طريقة تقليدية يقال إنها تساعد في تجهيز اللحم بصورة أفضل. وخلال هذا اليوم يتم تقسيم اللحم بين ما سيُستهلك مباشرة وما سيُجفف تحت الشمس ليصبح «قديدًا».
كما تُقطع «الكرشة» إلى شرائح توضع داخلها قطع صغيرة من اللحم ثم تلف بطريقة خاصة، بينما تُستخدم الأمعاء في إعداد «العصبان»، وهي من الأكلات التقليدية المرتبطة بهذه المناسبة.
ويحرص الليبيون كذلك على توزيع جزء من لحم الأضحية على الأقارب والمعارف والفقراء، باعتبارها عادة اجتماعية ودينية متوارثة خلال أيام العيد.
أبرز تقاليد التبو في العيد
يتميز مجتمع التبو بعادات خاصة خلال عيد الأضحى، تقوم على توزيع الأضحية وفق نظام اجتماعي يعكس مكانة الروابط الأسرية والقرابة. ويحرص كل رب أسرة على ذبح أضحيته بعد صلاة العيد مباشرة.
وبحسب التقاليد المتوارثة، يُخصص صدر الأضحية بالكامل لابن الأخت الأكبر من الذكور، وإذا لم يوجد فيمنح لابن أخوات الأعمام مهما بعدت درجة القرابة. أما القلب فيُهدى للبنت المتزوجة، وإن لم توجد فيمنح لبنت الأخ، ثم لبنت الأخت أو بنت ابن العم بحسب التسلسل العائلي.
كما يُوزع فخذ الأضحية على الوالد أو العم أو العمات، في حين يخصص الذراع للوالدة أو الخال أو الخالة، إلى جانب توزيع أجزاء أخرى على الجيران والفقراء والحاضرين. ويُعد تناول الشخص لأضحيته منفردًا أمرًا غير مقبول اجتماعيًا لدى التبو.
ويبدأ أبناء التبو يومهم بالمعايدة على كبار الأسرة قبل الذبح، ثم تُذبح أضحية كبير العائلة أولًا تليها بقية الأضاحي. وبعد الانتهاء، تجتمع الأسرة على وجبة جماعية تمتد لعدة أيام، وتبدأ عادة بالكبدة المشوية.
عادات أهالي غات
في مدينة غات التي يقطنها الطوارق والعرب، يؤدي السكان صلاة العيد في الساحات المخصصة لذلك، ثم يعود الإمام سريعًا لذبح أضحيته. وبعد الذبح يقوم برش دم الأضحية على سعفة نخيل وتعليقها أمام منزله، كإعلان رمزي بانتهاء الذبح وبدء الأهالي في أداء الشعيرة.
وتستمر أجواء العيد في غات لثلاثة أيام، يتبادل خلالها السكان الزيارات والعزائم العائلية، خاصة في اليوم الثاني الذي يشهد إعداد أطباق شعبية متنوعة من «الفتات» بمختلف أنواعه. وفي المساء يجتمع الأهل والأصدقاء لاستحضار ذكريات الأعياد القديمة وتفاصيل الاحتفال بها.
عادات سبها
في حي النزيلة بمدينة سبها تبدأ الاستعدادات للعيد قبل حلوله بأيام، إذ تقوم الأسر بتحضير عدد من المكونات الأساسية مثل طحن الفلفل الأحمر المجفف، وتجهيز القمح لإعداد خبز التنور والثريد، إلى جانب هرس الشعير وتحضيره فيما يعرف محليًا باسم «الفتات».
وبعد صلاة العيد تُذبح الأضاحي وتُعلق، ويكون أول ما يُتناول منها الكبد والرئة والقلب بعد إعدادها في طبق «القلاية» الذي يقدم مع خبز التنور، إضافة إلى الكبدة المشوية.
وتُترك الأضحية معلقة حتى ثاني أيام العيد الذي يعرف باسم «يوم التقطيع»، حيث يتم تجهيز اللحم وتقسيمه بحسب الاستخدام؛ فجزء يُجفف ليصبح «قديدًا»، بينما تُقطع الكرشة وتحشى باللحم ثم تُجفف لتصبح «عصبان الشمس».
كما يتم حفظ الرأس والأرجل لاستخدامها لاحقًا في مناسبة عاشوراء، في حين تلجأ بعض الأسر إلى تقطيع اللحم وغمره بالزيت فيما يعرف باسم «الهبيط»، وهي من طرق الحفظ التقليدية المتوارثة في المنطقة.
ورغم تغير أنماط الحياة وتطور وسائل الحفظ وتبدل تفاصيل الاحتفال، ما تزال كثير من عادات عيد الأضحى في ليبيا حاضرة في الذاكرة الجماعية، وإن تراجع حضور بعضها أو اقترب من الاندثار.
وبين طقوس الذبح القديمة، وأطباق العيد، وعادات توزيع الأضاحي وصلة الرحم، يبقى العيد أكثر من مناسبة دينية؛ فهو مساحة تتجدد فيها الروابط الاجتماعية وتُستعاد خلالها حكايات الأجداد وتفاصيل الحياة التي شكلت هوية المجتمع الليبي عبر الأجيال، ومع كل عيد، يعود السؤال: أي من هذه العادات سيبقى، وأيها سيظل محفوظًا فقط في روايات الكبار وذاكرة الأماكن؟
خاص/ المنصة
طقوس العيد القديمة حاضرة فقط في ذاكرة الليبيين
الدويدة.. الحاجة عائشة الخير تكشف أسرار إعداد واحدة من أشهر أطباق الجنوب