تحرير – هدى الغيطاني
اليوم نرى لدرنة وجهًا جديدًا يكاد يبتسم، في ظل مجموعة المشاريع الجاري العمل عليها في وقت متزامن، وذلك بعد اجتياح السيول 25% من المدينة وتدميرها عن بكرة أبيها، ماي يعني خسائر اقتصادية كبيرة تحتاج لوقفة جادة وجهود وطنية قادرة على إعادة ملامح المدينة.
تقديرات الخسائر
التقارير أكد أن 25% من درنة جرفته السيول وغيرت ملامح المنطقة بالكامل، حيث أوضح الفريق المكلف من حكومة الوحدة الوطنية بحصر الأضرار في مدينة درنة أن العدد الإجمالي للمباني المتضررة من السيول والفيضانات قُدّر بنحو 1500 من إجمالي 6142 مبنى في المدينة.
وأوضح الفريق أن عدد المباني المدمرة بشكل كامل بلغ 891 مبنى وبشكل جزئي 211 وحوالي 398 مبنى غمرها الوحل، كما تقدر المساحة الإجمالية للمنطقة التي غمرتها السيول والفيضانات في درنة بـ 6 كيلومترات مربعة.
فيما أشار تقرير صدر عن البنك الدولي بالتعاون مع الأمم المتحدة إلى أن الفيضانات دمرت أو ألحقت أضرارا بأكثر من 18500 منزل تشكل 7% من إجمالي المساكن في ليبيا.
وتُقدر الأضرار حسب التقرير بنحو 1.03 مليار دولار والخسائر بنحو 0.62 مليار دولار، ويمثل إجمالي الأضرار والخسائر البالغ 1.65 مليار دولار 3.6% من إجمالي الناتج المحلي لليبيا في عام 2022.
تكلفة الإعمار
التقرير ذاته أكد حاجة ليبيا إلى 1.8 مليار دولار لإعادة الإعمار والتعافي من كارثة السيول الجارفة التي ضربت مدينة درنة.
فيما قدّر المرصد المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية أن الخسائر طالت حوالي 58% من المدينة، مبينا أنه يمكن تقدير حجم تلك الخسائر حوالي 737 مليون دولار وفقًا لدخل المواطنين الليبيين في عام 2021.
وأشار المرصد المصري إلى أن إجمالي الخسائر الاقتصادية لمدينة درنة يُقدّر بحوالي 1.5 مليار دولار كحد أدنى.
وأضاف التقرير المصري أن تكاليف إعادة الإعمار في كل الأحوال لن تقل عن 800 – 1000 مليون دولار أمريكي، ومع الأخذ في الحسبان حجم التعويضات التي ستُصرف للأهالي المتضررين من تلك العاصفة والتي ستكون بين 500 – 700 مليون دولار.

ونوه المرصد إلى أن مجموع تكاليف الطرق التي تم تدميرها والتي سيتم إعادة بنائها حوالي 134 مليون دولار أمريكي، وهو البند الأقل عند النظر إلى مجموع الأضرار أو تكلفة إعادة الإعمار.
وفي هذا الصدد قال رئيس مصلحة الطرق والجسور بحكومة الوحدة الوطنية الحسين سويدان، إن شبكة الطرق والجسور في مدينة درنة شرقي البلاد انهارت بشكل كامل جراء الإعصار الأخير الذي ضرب البلاد، موضحا أن تكلفة إعادة إعمارها تبلغ نحو 300 مليون دينار (67 مليون دولار)، علاوة على تكلفة إعادة إعمار المباني والخسائر المادية الأخرى.
خسائر تجارية
من جانب آخر تظهر للكارثة في درنة أبعادًا اقتصادية أخرى أوضحها رجل الأعمال فهيم العزوزي عندما تحدث عن الأضرار الكبيرة التي تركزت في منطقة “وسط البلاد”، التي تعد مركز التجارة الرئيس لكل درنة والمناطق المجاورة، مشيرًا لخسارة مئات المحالات التجارية، وعشرات الأسواق المركزية من بينها سوق المشير الذي افتتح منذ أقل من 6 أشهر فقط.
وأضاف العزوزي أنه يصعب تقدير الخسائر التي توزعت بين أسواق وتجار المدينة والقرى المجاورة التي كانت تستهدف أكثر من نحو 400 ألف مستهلك من درنة وخارجها، مرجحا أن تقدر الخسائر بمئات ملايين الدولارات حسب معطيات أولية لمجموعة من رجال أعمال المدينة المقيمين في درنة أو خارجها.
الميزانية
ولمعالجة الأزمة أقر مجلس النواب ميزانية طوارئ بقيمة 10 مليارات دينار ليبي (ملياري دولار)، لمعالجة آثار الفيضانات في المناطق المتضررة على أن تودع في حساب في مصرف ليبيا المركزي، إلى جانب بقية المخصصات أو المعونات المحلية والدولية، فيما أصدر رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة قرارا بتخصيص ملياري دينار ليبي (413 مليون دولار) لإعادة إعمار درنة، ومناطق أخرى.
وحسب مراقبين، لا توجد جهود واضحة لحكومة الوحدة الوطنية، بينما تسابق حكومة حماد الزمن بهدف إعادة درنة المزدهرة إلى سابق عهدها، وفق مسؤول بصندوق إعادة الإعمار.
وفي سياق ذي صلة قالت خبيرة الشؤون الليبية بمجموعة الأزمات الدولية كلوديا غازيني إنه لا يمكن الانتهاء من مشروع متكامل لإعادة الإعمار بدرنة في ظل الانقسام السياسي بين حكومتي شرق ليبيا وطرابلس، مضيفة أن حركة إعادة الإعمار بدأت بالفعل، وهناك عمل على إعادة الإعمار وبناء الجسور ومحطات توليد الكهرباء.
الحكومة الليبية بدأت العمل فورًا لإعادة إعمار درنة، إذ أنشأت صندوقاً لإعادة إعمار المدينة والمدن والمناطق المتضررة، وكلّفت المهندس بالقاسم، نجل المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطني مديراً تنفيذياً له.
صندوق إعادة إعمار درنة
جاء إنشاء صندوق إعادة إعمار مدينة درنة والمدن والمناطق المتضررة، ليكون نقطة الانطلاق نحو إعادة بناء وتنمية المناطق المتأثرة جراء إعصار دانيال، ويهدف لتوفير الدعم المالي والتقني اللازم لإعادة إعمار البنية التحتية المتضررة، ويشمل نطاق عمل الصندوق مشاريع متنوعة مثل إعادة بناء المدارس والمستشفيات، وصيانة الإسكان، وتأهيل البنية التحتية للمياه والصرف الصحي.
من جانبه أكد مدير عام الصندوق المهندس بالقاسم حفتر أن “ما حدث من دمار في مدينة درنة لم يحدث في تاريخ ليبيا من قبل، ولكن بعزيمة الرجال وتحدي المصاعب، نحن لا نقوم فقط بإعمار ما خلفه الإعصار، بل نقوم بكل ما يلزم هذه المدينة من إعادة بناء وتطوير للبنية التحتية، وصيانة شبكة الكهرباء ومياه الشرب، وصيانة المستشفيات والمدارس والمرافق الحكومية والجامعات”.
وشدد بالقاسم حفتر على استمراره “في منح الفرص للشركات الوطنية القادرة على العمل والعطاء، وكذلك توفير فرص عمل للشباب الليبيين المؤهلين من المهندسين وكافة التخصصات”، متعهدا “سكان وأهل مدينة درنة بأن تعود عليهم هذه المشاريع بالخير والنفع، لتكون مدينة درنة زاهرة بإذن الله”.
ولم تمر بضعة أشهر حتى بدأت ملامح الإعمار تظهر جلية في درنة حيث لوحظ وجود إنشاءات جديدة وذلك بعد أن وقّع الصندوق عقوداً مع بعض أبرز شركات المقاولات في العالم العربي، من بينها «غلوبال كونتراكتنغ» الإماراتية، و«المقاولون العرب» المصرية.
ووقّع الصندوق حزمة من المشاريع الضخمة في مدينة درنة، مع الشركة الإماراتية، تتضمن أعمال البنية التحتية وتجديدها، وإنشاء محطات معالجة للصرف الصحي، ومحطتي تحلية مياه البحر، وإنشاء سدود، بالإضافة إلى تنفيذ مشروع حاجز الأمواج الذي يحافظ على الواجهة الساحلية للمدينة، كما شملت الاتفاقيات مع شركة «المقاولون العرب» إنشاء جسور جديدة في المدخل الغربي لمدينة درنة.
وبدا ذلك جليًا من مخططات المشروعات الجاري تنفيذها، وتلك التي شارفت عن الانتهاء ومن بينها مشروع صيانة وإعمار محكمة درنة والتي بدأ في محاكمة المسؤولين عن انهيار سدي بومنصور والبلاد بعد مرور ستة أشهر.
موقف البرلمان
من جانبه أكد رئيس مجلس النواب عقيلة صالح أن إعمار مدينة درنة يسير بـ«شكل جيد»، وأن المدينة المنكوبة جراء العاصفة المتوسطية المدمرة «دانيال» سـ«تزدهر وتعود أفضل مما كانت بعزيمة أهلها وتقديم كامل الدعم لها».
وقال إن مجلس النواب يولي درنة اهتمامًا خاصًا، منوهًا بـ«جهود كل الخيرين من أبناء الوطن والنسيج الاجتماعي الصلب الذي يجعلنا على قلب رجل واحد لتجاوز المحنة».
التعويضات
وفي سياق آخر أعلنت الحكومة الليبية، توزيع صكوك الدفعة 15 من التعويضات لـ425 أسرة متضررة في درنة جراء العاصفة «دانيال» التي ضربت المدينة سبتمبر الماضي.
وأوضحت أن عملية التسليم حدثت بإشراف اللجنة المُكلفة من الحكومة و«الجيش الوطني» لنحو 156 عائلة.


وتعهدت الحكومة بالاستمرار في توزيع الصكوك لمستحقيها من مدينة درنة على دفعات حتى ضمان حصول كل المسجلين بمنظومة الحصر على تعويضاتهم.
ما بين جهود إعادة الإعمار التي تجري على قدم وساق في درنة وغيرها من المدن وبين الخسائر الاقتصادية التي مني بها الليبيون وبين استمرار عملية صرف التعويضات، تبقى الذكريات الإنسانية الأليمة هي الجرح الذي لا يمكن إخفاء أثره.