شهدت ليبيا خلال عام 2025 استمرارًا في انقسام المؤسسات وتزايد الضغوط الشعبية والدولية لإجراء انتخابات تعيد ترتيب المشهد، هذا المشهد المتداخل رسم ملامح عام سياسي صاخب حافل بالقرارات الحاسمة والتحركات المختلفة.
وفي هذا الصدد اتخذت الحكومة الليبية بقيادة أسامة حماد، سلسلة من الخطوات السياسية والاقتصادية والإدارية التي تهدف إلى فرض رؤية موحّدة لإدارة الدولة، مع تعزيز السيادة الوطنية ورفض أي تدخلات خارجية.
ميزانية موحدة ومحاولة فرض إطار مالي شامل
أبرز تحركات الحكومة الليبية خلال العام تمثلت في تقديم مشروع ميزانية عامة موحّدة للعام 2025 بقيمة 174.1 مليار دينار ليبي، وهو مشروع وصف بأنه الأكبر والأشمل منذ سنوات، إذ يغطي كل القطاعات دون استثناء، ويستهدف توحيد الموارد المالية تحت مظلة واحدة رغم الانقسام.
وقد شدد حماد عند تقديم الميزانية على ضرورة مواجهة ظاهرة “الإنفاق المزدوج” التي اعتبرها أحد أخطر العوامل التي أثقلت الدولة وأضعفت الاقتصاد.
وفي هذا السياق، عقدت الحكومة اجتماعًا مع محافظ مصرف ليبيا المركزي بهدف مناقشة أولويات الإصلاح المالي والسياسات النقدية، بما في ذلك سعر الصرف وترتيبات التمويل، سعياً للوصول إلى اقتصاد أكثر استقرارًا.
الدعوة إلى حكومة موحدة
وفي إطار محاولاته لإنهاء الانقسام المؤسساتي، دعا حماد إلى “حوار وطني شجاع ومسؤول” يقود إلى تشكيل حكومة موحدة تتولى إدارة المرحلة المقبلة وتُمهّد لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.
وفي المقابل، واصل انتقاد حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، متهمًا إياها بتجاوز القوانين المالية والاعتماد على إنفاق ضخم “غير مدروس” دون أن ينعكس ذلك على حياة المواطنين أو مستوى الخدمات.
ولم تخفِ الحكومة الليبية موقفها الرافض لأي تغييرات هيكلية لا تمر عبر مجلس النواب، إذ اعتبرت ما عُرف بـ”السلطة العليا للرئاسات” التي أعلن عنها المجلس الرئاسي جسمًا “غير دستوري”، ويأتي هذا الموقف انسجامًا مع رؤية الحكومة بشأن ضرورة استقلال المؤسسات السيادية وعدم السماح بخلق هياكل موازية.
موقف الحكومة الليبية مع البعثة الأممية
شهدت العلاقة بين الحكومة الليبية وبعثة الأمم المتحدة في ليبيا توترًا كبيرًا وصل إلى حد تعليق التعاون الكامل مع البعثة، بعد الكشف عن اتفاق تمويل مرتبط بدولة قطر اعتبرته الحكومة “تجاوزًا لميثاق البعثة وتقويضًا لسيادة الدولة الليبية”.
كما اتخذت الحكومة مواقف حازمة تجاه زيارات مسؤولين أوروبيين إلى ليبيا، حيث طلبت من بعض الوزراء ومفوض الاتحاد الأوروبي للهجرة مغادرة البلاد فور وصولهم، مؤكدة أن دخولهم تم دون احترام الإجراءات الدبلوماسية.
وفي موقف لافت، حذّر حماد الإدارة السورية من نقل مقاتلين إلى طرابلس، معتبرًا أن بعض القوى الخارجية تسعى لتحويل الملف الليبي إلى قضية دولية خارج إرادة الليبيين.
كما أدانت الحكومة الاعتداء على منشآت مدنية في قطر، واصفة الحادث بـ”الاعتداء الجبان”، في مؤشر على استمرار التحركات الدبلوماسية للحكومة في الخارج رغم الانقسام الداخلي.
من جهة أخرى دعمت الحكومة الليبية بشكل كبير حراك الوطن الذي انطلق في مختلف أنحاء البلاد مطالبا بسرعة إجراء انتخابات رئاسية داعيا المفوضية العليا للانتخابات بالتحضير لانتخابات استجابة لمطالب الشارع.
على مستوى إعادة الإعمار، أثنى حماد خلال اجتماع حكومي على دور القوات المسلحة في التعامل مع الفيضانات والكوارث الطبيعية التي ضربت بعض المناطق، مشيدًا بالمشاريع التي ينفذها صندوق إعادة الإعمار، مؤكدا أن القوات المسلحة تمثل قوة أساسية في حماية مؤسسات الدولة خلال المراحل الانتقالية، إلى جانب قيامها بدور محوري في مشاريع البنية التحتية الطارئة.
الإدارة المحلية واللامركزية… رؤية جديدة للحكم
من بين الملفات التي تدفع بها الحكومة بقوة هو قانون “المحليات والحكم المحلي” الذي يتم إعداده حاليًا، حيث أكد حماد أنه سيُحدث “نقلة نوعية” في الإدارة العامة من خلال نقل صلاحيات واسعة إلى البلديات وتفعيل اللامركزية المالية والخدمية، في محاولة لتجاوز المركزية الحادة التي عطلت التنمية لسنوات.
وبين خطوات تعزيز السيادة والدعوات للحوار والانتخابات، يبقى نجاح الحكومة مرتبطًا بقدرتها على تحقيق توافق داخلي أوسع، وإقناع الأطراف المتنافسة بأن الحل لن يكون إلا ليبيًا خالصًا، عبر مؤسسات موحدة وانتخابات تضع حدًا لسنوات الانقسام.
مبادرة سياسية لكسر الانسداد
في المقابل شهد عام 2025 جهود لرئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في تقديم مبادرات سياسية وإجراءات تنفيذية تهدف إلى كسر الجمود وإعادة البناء في مختلف المناطق.
في يونيو 2025، أعلن الدبيبة مبادرة سياسية جديدة وُصفت بأنها محاولة جادة لكسر الجمود الذي خيّم على العملية السياسية منذ سنوات.
وتضمنت المبادرة ثلاثة محاور رئيسية: إعادة هيكلة الحكومة على أسس الكفاءة، إطلاق منصة وطنية للمعلومات تعكس مزاج الشارع وإرادة المواطنين، إضافة إلى إنشاء آلية أمنية فعالة تؤمّن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية نزيهة، وقد جاءت هذه المبادرة بعد أشهر من حالة توتر سياسي واحتقان شعبي، ما جعلها جزءًا من محاولات الحكومة لإعادة ترتيب المشهد السياسي.
احتجاجات شعبية وانتقادات سياسية حادة
لم يكن العام سهلاً على حكومة الدبيبة، ففي مايو 2025 شهدت طرابلس “جمعة الرحيل” التي خرج فيها مئات المتظاهرين في احتجاجات واسعة طالبت باستقالته بسبب تدهور الأوضاع الأمنية والخدمية وغياب حلول ملموسة للأزمات اليومية.
ورافق ذلك هجوم سياسي من المجلس الأعلى للدولة، الذي وصف الحكومة بأنها “ساقطة الشرعية”، في انعكاس لمستوى الانقسام بين مؤسسات الدولة.
ورغم ذلك، حافظت الحكومة على تماسكها الداخلي، مطالبة قوى الأمن بتنفيذ خطة الترتيبات الأمنية الجديدة لفرض الاستقرار في العاصمة.
اجتماعات وزارية مكثفة لإعادة ضبط الأداء التنفيذي
ورغم الأجواء السياسية المشحونة، واصل مجلس الوزراء نشاطه بعقد اجتماعات مكثفة، كان أبرزها الاجتماع الأول لعام 2025 في أبريل، والذي ناقش بيان المصرف المركزي وبنود الإنفاق العامة.
وفي يونيو، ترأس الدبيبة اجتماعاً أمنياً موسعاً؛ لتقييم تنفيذ خطة الترتيبات الأمنية بطرابلس، في محاولة لتأكيد حضور الدولة وإعادة فرض السيطرة الأمنية على المناطق الحساسة.
على الصعيد الدولي، حافظت حكومة الوحدة الوطنية على الدعم الكامل من الأمم المتحدة والدول الكبرى، وجاء النشاط الدبلوماسي جزءًا من استراتيجية الدبيبة حيث تواصلت اللقاءات الخارجية التي عززت حضور الحكومة على الساحة الإقليمية.
وعلى الصعيد المحلي، تابع الدبيبة منذ يناير 2025 خطة المشاريع التي تنوي الحكومة افتتاحها في قطاعات البنية التحتية والإسكان والطرق خلال العام عبر مبادرة “عودة الحياة”.
ومع تسارع الأحداث، يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح هذه التحركات في إعادة توجيه المسار نحو انتخابات وطنية أم أن ليبيا مقبلة على جولة جديدة من التوتر والاصطفاف السياسي؟ وهل يكون 2026 بداية انفراج، أم استمرارًا للأزمة؟