إدريس احميد
في عالم السياسة الدولية، لا تُدار العلاقات بين الدول على أساس المساواة المطلقة أو المبادئ الأخلاقية المجردة، بل ضمن توازنات قوى معقدة تتصدر فيها المصالح الاستراتيجية والاقتصادية المشهد، وتتراجع أمامها الاعتبارات الأخرى.
وفي هذا السياق، تصبح الدول الهشة أو المنقسمة أكثر عرضة للتأثير الخارجي، وأقل قدرة على حماية قرارها السيادي أو توجيه مسارها الوطني بما يخدم مصالحها الداخلية.
وما تعيشه ليبيا اليوم يعكس هذه المعادلة بوضوح: دولة ضعيفة البنية، متعددة المراكز، ومفتوحة أمام توازنات دولية وإقليمية متنافسة.
فمنذ عام 2011 دخلت البلاد مرحلة تحول سياسي عميق أنهت شكل الدولة السابق، غير أن هذا التحول لم يُستكمل ضمن إطار مؤسساتي مستقر، ثم منذ عام 2014 تعمّق الانقسام السياسي والمؤسسي، وتعددت مراكز القرار، وظهرت سلطات متوازية، ما جعل مفهوم “المصلحة الوطنية” نفسه عرضة لإعادة تعريف من الخارج أكثر مما يُصاغ من الداخل.
وفي مثل هذه البيئات، لا تُقاس قوة الدولة فقط بقدرتها المؤسسية، بل بمدى قدرتها على تقليل قابلية الآخرين للتدخل في قرارها الداخلي، وهو ما يجعل الأزمة الليبية أقرب إلى كونها أزمة “دولة” قبل أن تكون أزمة “سياسة”.
أولاً: المشكلة ليست في التدخل فقط.. بل في قابلية التدخل
من الخطأ اختزال الأزمة الليبية في عامل التدخل الخارجي وحده، فالتدخل في حد ذاته لم يكن السبب المباشر للأزمة بقدر ما كان نتيجة طبيعية لتفكك مركز القرار الداخلي.
فكلما تعددت السلطات، وتراجعت المؤسسات، وضعفت الدولة المركزية، أصبحت البلاد أكثر قابلية للاختراق السياسي والأمني والاقتصادي، وعندها تتحول ليبيا من فاعل سياسي إلى ساحة تنافس بين قوى متعددة، داخلية وخارجية، تتحرك وفق مصالحها لا وفق مصالح الليبيين.
ثانياً: النظام الدولي لا ينهي الأزمات.. بل يدير مصالحه داخلها
في حالات الدول الهشّة، لا يتعامل النظام الدولي غالباً بهدف إنهاء الأزمة بشكل جذري، بل يسعى إلى إدارتها ضمن سقف يمنع تصاعدها بما يهدد مصالح القوى الفاعلة.
ولهذا يظهر المشهد الليبي في صورة:
تعدد مبادرات دولية دون حسم حقيقي.
إدارة توازنات بين الأطراف بدل إنهاء الانقسام.
استمرار حالة “اللا حرب واللا سلم”.
وهو ما يعني أن ليبيا ليست استثناءً، بل حالة تندرج ضمن نمط دولي يتكرر في مناطق الأزمات، حيث تُترك الدولة معلّقة بين التسويات المؤقتة والانفراجات المحدودة.
ثالثاً: الانقسام الداخلي هو البوابة الكبرى للتأثير الخارجي
منذ عام 2014، دخلت ليبيا مرحلة انقسام سياسي ومؤسسي وأمني عميق، عقب تشكل سلطات متوازية وانقسام المؤسسات السيادية، وهو ما شكّل نقطة تحول مفصلية في مسار الأزمة.
وقد تجلى هذا الانقسام في:
تعدد السلطات التنفيذية والتشريعية.
غياب مؤسسة عسكرية موحدة.
تعثر المسار الدستوري والانتخابي.
تدهور المنظومة الاقتصادية والخدمية.
هذا الواقع جعل الدولة عاجزة عن احتكار القرار الوطني، وبالتالي أصبح الملف الليبي مفتوحاً أمام التدخلات الإقليمية والدولية، كلٌّ وفق مصالحه وأولوياته.
رابعاً: الأزمة الليبية بنيوية وليست ظرفية
المعضلة الليبية لا تتعلق فقط بتقاسم السلطة أو شكل الحكم، بل تمتد إلى جذور أعمق تتمثل في:
ضعف التأسيس المؤسسي للدولة الحديثة.
غياب تراكم مؤسساتي مستقر عبر العقود.
هشاشة العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع.
ولهذا فإن أي حلول سياسية جزئية، مهما بدت واقعية، ستظل محدودة الأثر ما لم تُعالج جذور الأزمة البنيوية التي جعلت الدولة قابلة للانقسام وقابلة للتوظيف الخارجي.
خامساً: كيف يمكن لليبيا أن تحمي مصالحها؟
في ظل هذا الواقع، تصبح حماية المصالح الليبية مرتبطة بثلاثة مسارات رئيسية لا بديل عنها:
1. توحيد مركز القرار السياسي والمؤسسي
فبدون سلطة واحدة قادرة على تمثيل الدولة، تبقى المصالح الوطنية عرضة للتجزئة والتوظيف والانقسام.
2. إعادة بناء المؤسسات الأمنية والسيادية
لأن الاستقرار الأمني ليس نتيجة للسياسة، بل هو شرط لنجاحها. ولا يمكن لأي مشروع اقتصادي أو سياسي أن يستقر في ظل هشاشة أمنية أو تعدد مراكز القوة.
3. تقليل الاعتماد على الخارج في صياغة الحلول
فكل تدخل خارجي يحمل بطبيعته حسابات مصالحه الخاصة، وليس بالضرورة مصالح ليبيا. لذلك يجب أن يكون الخارج عاملاً مساعداً لا مرجعية حاكمة لمسار الحل.
سادساً: خلاصة الرؤية
إن ليبيا اليوم تقف أمام معادلة دقيقة: دولة هشّة في بيئة دولية تنافسية، تتحرك فيها القوى الكبرى والإقليمية وفق مصالحها، بينما تتعثر القدرة الوطنية على إنتاج قرار موحد ومستقل.
وفي هذا السياق، فإن استعادة ليبيا لمصالحها لا تبدأ من الخارج، بل من الداخل، عبر إعادة بناء الدولة وتوحيد مؤسساتها، وتحويلها من ساحة صراع إلى مركز قرار سيادي.
كما أن الحديث عن مستقبل ليبيا لا ينبغي أن يبقى حكراً على النخبة السياسية أو الأكاديمية أو صناع القرار فقط، بل يجب أن يكون خطاباً موجهاً إلى عموم الشعب الليبي، باعتباره صاحب المصلحة الحقيقية في الدولة ومستقبلها. فالمعادلة لا تُحسم في الغرف المغلقة بقدر ما تُحسم بوعي المجتمع وإدراكه أن وحدة الدولة واستقرارها هو الشرط الأول لحماية الحقوق والعيش الكريم.
سابعاً: رؤية للمستقبل
وبعيداً عن الوقوف عند ما حدث فقط، فإن الرهان الحقيقي اليوم هو تحويل التجربة الليبية بكل تعقيداتها إلى درس في بناء الدولة، لا مجرد سجل للأزمات.
فالمطلوب ليس إعادة إنتاج الماضي، بل استثمار ما جرى لفهم شروط الدولة القادرة على الصمود والاستقرار. وفي هذا الإطار، يصبح التفكير موجهاً نحو بناء دولة تستفيد من تجارب الآخرين، لا سيما في محيطها الإقليمي، ومنها نماذج الاستقرار والتنمية في بعض دول الخليج العربي، بما يفتح أمام ليبيا فرصة حقيقية لأن تكون نموذجاً لدولة مستقرة، تستثمر مواردها وموقعها وإمكاناتها ضمن مشروع وطني جامع.
وهذا المسار لا يقوم على منطق الغلبة أو الإقصاء، بل على منطق الارتقاء والتنازل المشرف من أجل الدولة، لأن جوهر الربح الحقيقي ليس انتصار طرف على آخر، بل انتصار ليبيا نفسها على حالة الانقسام والتعثر، واستعادتها لموقعها الطبيعي كدولة فاعلة في محيطها الإقليمي والدولي.