بحثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، آخر التطورات السياسية والأمنية في ليبيا، خلال اجتماع عُقد في العاصمة الفرنسية باريس، تناول مسار العملية السياسية والتحديات المرتبطة بتنفيذ خارطة الطريق الأممية، وسط دعوات متزايدة لإعادة تنسيق الجهود الدولية وتحريك حالة الجمود السياسي التي تشهدها البلاد.
وجاء اللقاء في وقت تشهد فيه ليبيا حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا تقوده بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بالتوازي مع تحركات إقليمية ودولية تهدف إلى دفع الأطراف الليبية نحو تسوية سياسية تفضي إلى إجراء انتخابات وتوحيد المؤسسات وإنهاء المراحل الانتقالية الممتدة منذ سنوات.
وبحسب ما جرى تداوله عقب الاجتماع، فقد أطلعت هانا تيتيه الجانب الفرنسي على نتائج الاجتماع الأخير الذي استضافته العاصمة الإيطالية روما، والذي خُصص لمناقشة آليات الدفع بتنفيذ خارطة الطريق السياسية، إضافة إلى استعراض أبرز التحديات التي تعيق التقدم في المسار السياسي والأمني داخل ليبيا.
مناقشة تعثر خارطة الطريق
وتصدر ملف تنفيذ خارطة الطريق السياسية جانبًا رئيسيًا من المباحثات، حيث ناقش الطرفان العقبات التي تواجه المساعي الأممية لإعادة إطلاق العملية السياسية، في ظل استمرار الانقسام المؤسسي والخلافات بين الأطراف السياسية بشأن القوانين الانتخابية وآليات إدارة المرحلة المقبلة.
وأشارت الممثلة الأممية خلال الاجتماع إلى أن الجمود الحالي قد يتطلب التفكير في مقاربة بديلة لتحريك العملية السياسية، موضحة أن أي مسار جديد سيحتاج إلى دعم واضح من مجلس الأمن الدولي لضمان نجاحه وتوفير الغطاء السياسي اللازم لتنفيذه.
ويرى مراقبون أن الحديث عن “نهج بديل” يعكس حجم التحديات التي تواجه جهود الأمم المتحدة في ليبيا، خاصة بعد تعثر عدة مبادرات سياسية خلال السنوات الماضية وعدم التوصل إلى توافق نهائي بشأن إجراء الانتخابات الوطنية.
دعم فرنسي للمسار الأممي
من جانبه، جدد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو دعم بلاده الكامل لجهود بعثة الأمم المتحدة والممثلة الخاصة للأمين العام، مؤكدًا أهمية استمرار العمل الدولي المشترك لدفع العملية السياسية في ليبيا.
وشدد الوزير الفرنسي على ضرورة تنسيق الجهود الدولية بشكل أكثر فاعلية خلال المرحلة المقبلة، بما يمنع تضارب المبادرات ويضمن توحيد المواقف الدولية تجاه الملف الليبي.
وتُعد فرنسا من أبرز الدول الأوروبية المنخرطة في الملف الليبي، حيث شاركت خلال السنوات الماضية في عدد من المؤتمرات والاجتماعات الدولية المتعلقة بالأزمة الليبية، كما تدعم المساعي الرامية إلى تحقيق الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.
الاجتماع يأتي بعد لقاءات روما
ويأتي اجتماع باريس بعد أيام من لقاءات ومشاورات استضافتها العاصمة الإيطالية روما، والتي ناقشت سبل إعادة تنشيط العملية السياسية الليبية، في ظل تصاعد المخاوف الدولية من استمرار حالة الانسداد السياسي وتأثيرها على الاستقرار الأمني والاقتصادي.
وشهدت الفترة الأخيرة تحركات دبلوماسية متعددة تقودها الأمم المتحدة بالتنسيق مع عدد من العواصم المؤثرة، بهدف تقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية، وإيجاد أرضية مشتركة تسمح بالوصول إلى تسوية سياسية شاملة.
ويؤكد متابعون أن الملف الليبي ما يزال يحظى باهتمام دولي واسع، خاصة مع ارتباطه بعدة ملفات إقليمية، من بينها أمن البحر المتوسط والهجرة غير النظامية والطاقة والاستقرار الإقليمي.
تيته تبحث مع مستشار ترامب دفع خارطة الطريق السياسية والإصلاحات الاقتصادية في ليبيا
هانا تيتيه تشارك في الاجتماع الثلاثي لوزراء خارجية تونس والجزائر ومصر
الإشارة إلى تمرين “فلينتلوك”
وخلال اللقاء، ألمحت هانا تيتيه إلى نجاح تمرين “فلينتلوك”، معتبرة أن هذه المبادرة تمثل نموذجًا يمكن البناء عليه في دعم التعاون والتنسيق الأمني خلال المرحلة المقبلة.
ويُعرف تمرين “فلينتلوك” بأنه أحد أبرز التدريبات العسكرية متعددة الجنسيات التي تُنظم في إفريقيا بمشاركة قوات من عدة دول، ويهدف إلى رفع مستوى التنسيق الأمني ومواجهة التحديات العابرة للحدود، بما يشمل مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
ويرى محللون أن الإشارة إلى هذا التمرين تعكس اهتمام الأمم المتحدة بأهمية المسار الأمني بالتوازي مع المسار السياسي، خاصة أن الاستقرار الأمني يُعد أحد العوامل الأساسية لإنجاح أي تسوية سياسية مستقبلية في ليبيا.
تحديات المرحلة المقبلة
وتواجه العملية السياسية الليبية جملة من التحديات المعقدة، أبرزها استمرار الانقسام بين المؤسسات، وغياب التوافق حول القوانين الانتخابية، إضافة إلى الملفات الأمنية المرتبطة بوجود التشكيلات المسلحة وتوزيع النفوذ بين الأطراف المختلفة.
كما تُثير التحركات السياسية الدولية تساؤلات حول إمكانية الوصول إلى صيغة توافقية جديدة قادرة على إنهاء حالة الجمود، خصوصًا في ظل تكرار تعثر المبادرات السابقة.
ويرى مراقبون أن نجاح أي خارطة طريق جديدة سيتطلب دعمًا دوليًا موحدًا، إلى جانب توفر إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف الليبية للقبول بتسوية شاملة تُمهّد لإجراء الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة.
تنسيق دولي لدفع العملية السياسية
ويؤكد الاجتماع بين الممثلة الأممية ووزير الخارجية الفرنسي استمرار الحراك الدولي المتعلق بالملف الليبي، في وقت تسعى فيه الأمم المتحدة إلى إعادة ترتيب أولويات المرحلة المقبلة وبحث خيارات جديدة لدفع العملية السياسية.
كما يعكس اللقاء رغبة الأطراف الدولية في الحفاظ على قنوات التواصل والتنسيق بشأن ليبيا، بما يحد من احتمالات التصعيد ويُسهم في دعم مسارات الحوار والتسوية السياسية.
ومع استمرار المشاورات الدولية والإقليمية، تبقى الأنظار متجهة نحو الخطوات المقبلة التي قد تتخذها بعثة الأمم المتحدة ومجلس الأمن بشأن مستقبل العملية السياسية في ليبيا، خاصة في ظل الحديث المتزايد عن الحاجة إلى مقاربة مختلفة لتحريك المشهد السياسي المتعثر.
