في تصعيد جديد يعكس هشاشة الوضع الأمني غرب البلاد، أدانت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا الاشتباكات المسلحة التي اندلعت فجر الجمعة في عدة مناطق بمدينة الزاوية، محذرة من التداعيات الإنسانية الخطيرة الناتجة عن استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية المكتظة بالسكان، وما ترتب على ذلك من سقوط ضحايا مدنيين وأضرار مادية واسعة.
وقالت المؤسسة، في بيان رسمي، إن المواجهات المسلحة اندلعت في مناطق الحرشة والصابرية ومحيط مصفاة الزاوية لتكرير النفط، بين مجموعات مسلحة وصفتها بـ”غير المنضبطة”، مؤكدة أن استمرار الاشتباكات داخل المناطق المدنية يمثل تهديدًا مباشرًا لأمن السكان وسلامتهم، ويعكس استمرار حالة الانفلات الأمني التي تعاني منها بعض المدن الليبية.
سقوط ضحايا مدنيين وسط الأحياء السكنية
وبحسب البيان، أسفرت الاشتباكات عن مقتل مدنيين اثنين وإصابة خمسة آخرين جراء سقوط قذائف ورصاص عشوائي على منازل المواطنين، في وقت سادت فيه حالة من الذعر بين السكان، خصوصًا مع استمرار تبادل إطلاق النار بالقرب من المناطق المأهولة.
وأوضحت المؤسسة أن القصف العشوائي ألحق أضرارًا بعدد من المنازل والممتلكات الخاصة، إلى جانب تعريض المرافق العامة والخدمات الحيوية للخطر، مشيرة إلى أن المدنيين وجدوا أنفسهم وسط مواجهات مفتوحة دون وجود ممرات آمنة أو إجراءات كافية لحمايتهم.
وأكدت أن استمرار الاشتباكات المسلحة داخل المدن والأحياء السكنية يشكل انتهاكًا واضحًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة فيما يتعلق بمبدأي التمييز والتناسب، اللذين يفرضان حماية المدنيين وعدم تحويل المناطق السكنية إلى ساحات حرب.
تحميل الجهات الأمنية مسؤولية حماية المدنيين
وحملت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان الجهات الأمنية والعسكرية المسؤولية القانونية عن حماية المدنيين، معتبرة أن فشل الأجهزة المختصة في احتواء الوضع وتأمين السكان أدى إلى تفاقم الأزمة وسقوط ضحايا.
كما أشارت إلى أن وزارة الداخلية ورئاسة الأركان مطالبتان باتخاذ تدابير عاجلة لضمان استقرار الأوضاع ومنع تكرار مثل هذه المواجهات، لا سيما في ظل استمرار وجود جماعات مسلحة خارج إطار مؤسسات الدولة.
وأضاف البيان أن السكان المدنيين في الزاوية يعيشون أوضاعًا صعبة نتيجة غياب الحماية الفعلية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة الاشتباكات وتأثيرها على الحياة اليومية وحركة التنقل والخدمات الأساسية.
مؤسسة حقوقية تحذّر سكان جنزور من التنقل بسبب التوترات الأمنية
شركة الزاوية لتكرير النفط تنهي حالة الطوارئ بالمصفاة
شركة الزاوية: توقف مصفاة الزاوية عن العمل بشكل كامل وإخلاء الميناء من الناقلات
دعوات لوقف فوري لإطلاق النار
ودعت المؤسسة جميع الأطراف المتورطة في النزاع إلى الوقف الفوري لإطلاق النار، والعمل على تأمين ممرات إنسانية تسمح بإجلاء المدنيين العالقين ونقل الجرحى والمصابين، بالتنسيق مع فرق الهلال الأحمر الليبي والجهات الطبية المختصة.
وأكدت أن استمرار القتال في المناطق المدنية يفاقم من الأزمة الإنسانية ويعرض حياة الأبرياء للخطر، مشددة على ضرورة تحييد المرافق الصحية والخدمية عن أي أعمال عسكرية أو اشتباكات مسلحة.
كما طالبت الأطراف المتنازعة بالالتزام بالقوانين الوطنية والمواثيق الدولية المتعلقة بحماية المدنيين، وعدم استخدام القوة داخل الأحياء السكنية أو بالقرب من المنشآت الحيوية.
مطالبات بتحقيق عاجل ومحاسبة المتورطين
وفي جانب آخر، دعت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان كلًا من النائب العام والمدعي العام العسكري والمجلس الرئاسي إلى فتح تحقيق شامل وفوري في أسباب الاشتباكات والجهات المتورطة فيها، مع العمل على ملاحقة المسؤولين عن أعمال العنف وتقديمهم للعدالة.
وشددت المؤسسة على ضرورة إنهاء حالة الإفلات من العقاب، معتبرة أن تكرار الاشتباكات المسلحة دون محاسبة يشجع على استمرار الفوضى ويقوض جهود استعادة الاستقرار في البلاد.
كما طالبت السلطات في غرب ليبيا باتخاذ إجراءات حاسمة لمنع استخدام المناطق السكنية كساحات للصراع المسلح، والعمل على فرض سلطة الدولة وإنهاء مظاهر التسلح خارج المؤسسات الرسمية.
تحذيرات من تداعيات أمنية وإنسانية خطيرة
ويرى مراقبون أن الاشتباكات التي شهدتها مدينة الزاوية تعكس استمرار التحديات الأمنية التي تواجهها ليبيا، خاصة في المناطق التي تشهد وجود تشكيلات مسلحة متعددة الولاءات، ما يعرقل جهود فرض الاستقرار وبناء مؤسسات أمنية موحدة.
وتُعد مدينة الزاوية من المدن الحيوية غرب البلاد نظرًا لموقعها الاستراتيجي واحتضانها عددًا من المنشآت النفطية المهمة، وهو ما يجعل أي اضطرابات أمنية فيها ذات تأثير مباشر على الأوضاع الاقتصادية والخدمية.
وتزامنت الاشتباكات الأخيرة مع دعوات محلية ودولية متكررة لضرورة تفكيك الجماعات المسلحة ودمج العناصر المنضبطة داخل مؤسسات الدولة الرسمية، بهدف إنهاء حالة الانقسام الأمني وضمان حماية المدنيين.
دعوة للمجتمع الدولي للتحرك
وفي ختام بيانها، دعت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والإنسانية تجاه ما يحدث في ليبيا، مطالبة بفرض عقوبات على المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان وأعمال العنف ضد المدنيين.
كما طالبت بإدراج أسماء المسؤولين عن تأجيج الصراع ضمن قوائم العقوبات الدولية، استنادًا إلى قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بمحاسبة منتهكي حقوق الإنسان والمتورطين في زعزعة الأمن والاستقرار.
وأكدت المؤسسة أن حماية المدنيين يجب أن تكون أولوية قصوى، داعية إلى دعم جهود التهدئة والحوار ومنع انزلاق الأوضاع نحو مزيد من التصعيد الذي يهدد أمن واستقرار المنطقة بالكامل.
