لم تعد قضية المهاجرين في ليبيا مجرد أزمة إنسانية تدار من خلف الكواليس، بل تحولت إلى قضية وطنية بامتياز، في ظل رفض شعبي متصاعد لكل ما يُنظر إليه على أنه تمهيد لتوطين المهاجرين داخل البلاد. أصواتٌ تعلو من كل حدب وصوب، تطالب بصون الأرض والتركيبة السكانية من أي مشاريع للتغيير الديموغرافي، فيما تتسارع التحركات داخليا على أكثر من صعيد لمواجهة هذا الملف الشائك. وفي خضم هذا الزخم، تبادر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى نفي أي تورط لها في مخططات التوطين، مؤكدةً أن دورها إنساني بحت، لا يتخطى تقديم العون للفئات الأكثر هشاشة.
مجلس النواب: سيادة ليبيا وهويتها خط أحمر لا تفاوض عليه
وفي خطوة تعكس حجم القلق الذي بات يسيطر على المشهد ، دخل مجلس النواب على خط الأزمة مصدراً بيانا، ليضع ثقله المؤسسي في مواجهة أي مساعي توطين أو تسكين قد تمس التركيبة السكانية للبلاد. وأكد المجلس استناده إلى القانون رقم (24) لسنة 2023 بشأن مكافحة توطين الأجانب، رافضاً أي مشاريع أو تفاهمات معلنة أو غير معلنة قد تفضي إلى تغيير ديموغرافي، ومؤكداً أن ليبيا لن تكون طرفاً في معالجة أزمات دولية على حساب أمنها الوطني واستقرارها الاجتماعي. وأقرّ البيان بأن ملف الهجرة غير النظامية يمثل تحدياً مركباً، غير أنه شدد على ضرورة معالجته ضمن إطار السيادة الوطنية والقوانين الليبية النافذة، مطالباً جميع الجهات التنفيذية والأمنية بالتصدي لأي إجراءات قد تُفسَّر كتمهيد لسياسات توطين، ومؤكداً أن سيادة ليبيا وهويتها الوطنية خط أحمر غير قابل للتفاوض أو المقايضة.

الأعلى للدولة يؤكد التمسك بسيادة ليبيا
من جانبه أكد المجلس الأعلى للدولة رفضه أي مشاريع أو ترتيبات قد تؤدي إلى توطين المهاجرين داخل ليبيا أو إحداث تغيير ديموغرافي يمس هوية المجتمع الليبي وخصوصيته الوطنية.
وأوضح المجلس، في بيان، أن ملف الهجرة غير النظامية يمثل تحديا يمس السيادة الوطنية والأمن القومي والاستقرار المجتمعي، مشددا على أن معالجته يجب أن تتم وفق القوانين الليبية وفي إطار الاختصاصات السيادية للدولة.
كما دعا إلى دعم جهود ليبيا في مكافحة الهجرة غير النظامية وشبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، ومعالجة الأسباب الجذرية للظاهرة بما يحترم سيادة الدولة وإرادتها.

ليبيا ليست بلدا لتوطين أو إستقرار المهاجرين
وتتزامن هذه التطورات مع توسيع السلطات الليبية إجراءاتها الأمنية والتنظيمية الرامية إلى الحد من الهجرة غير النظامية، في مشهد يكشف عن تنسيق واضح بين مختلف مؤسسات الدولة للتعامل مع هذا الملف بصوت واحد وموقف موحد. وفي هذا السياق، لم تتأخر الحكومة الليبية في إصدار بيانها الرسمي، مؤكدةً بصورة قاطعة أن ليبيا ليست بلداً للتوطين أو إعادة التوطين أو الاستقرار الدائم للمهاجرين والأجانب المخالفين للقانون، رافضةً أي محاولات لفرض سياسات أو ترتيبات تتعارض مع القوانين الليبية أو تستهدف تحويل الأراضي الليبية إلى وجهة لتوطين المهاجرين.
ووجّهت الحكومة جميع الأجهزة الأمنية والعسكرية وجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية والأجهزة الضبطية المختصة، إلى الشروع الفوري في تطبيق كافة الإجراءات القانونية اللازمة، استناداً إلى القانون رقم (24) لسنة 2023 بشأن مكافحة توطين الأجانب، وسائر القوانين واللوائح ذات الصلة.
كما شددت على ضرورة تكثيف حملات الضبط والتفتيش الميداني، ومراجعة أوضاع الأجانب المقيمين داخل البلاد، واتخاذ إجراءات قانونية رادعة بحق كل من يثبت تورطه في تسهيل دخول المهاجرين غير النظاميين أو إيوائهم أو توفير أي دعم لهم بالمخالفة للقانون.



ورفضت الحكومة قطعياً أي برامج أو ترتيبات تتعلق بملف الهجرة أو اللجوء أو إعادة التوطين تُنفَّذ دون موافقة السلطات الليبية المختصة، مؤكدة أن جميع المنظمات الدولية العاملة في ليبيا، بما فيها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ملزمة باحترام السيادة الليبية وعدم تجاوز الاختصاصات المخولة لها.
تحرك أمني واسع لمكافحة الهجرة غير النظامية
وتقابل هذه التحركات السياسية، حملات أمنية ميدانية واسعة، تنفيذاً لتعليمات نائب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن صدام حفتر، الرامية إلى معالجة أوضاع الهجرة غير النظامية وملاحقة المخالفين الذين لا يمتلكون وثائق إقامة أو عمل رسمية، تمهيداً لترحيلهم وفق القوانين النافذة، بما يضمن احترام القانون الليبي وصون الكرامة الانسانية مع تعزيز الجهود الرامية الى مكافحة تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر والجريمة المنظمة.
وحسب توجيهات صدام حفتر، فإن الحملة تركز على ملاحقة وضبط المخالفين الذين لا يمتلكون وثائق رسمية، أو تصاريح إقامة أو عمل، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم وفق القوانين النافذة، تمهيداً لترحيلهم أو إحالتهم إلى الجهات المختصة
وعلى أرض الواقع، أسفرت حملة أمنية موسعة نفذتها مديرية أمن البطنان باستهداف تجمعات المهاجرين غير النظاميين، عن ضبط نحو 800 شخص من جنسيات مختلفة، جرت إحالتهم إلى مركز الإيواء في درنة لاستكمال إجراءات الترحيل.
وفي السياق ذاته، عقد في مديرية أمن أجدابيا اجتماعاً موسعاً لإطلاق حملة أمنية مماثلة ،لإحالة جميع المخالفين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
وفي خطة أمنية مشتركة بين الأجهزة الأمنية نفذت حملة أمنية موسعة استهدفت أوكار الهجرة غير الشرعية داخل مدينة طبرق.ومكافحة الهجرة غير النظامية.
كما أعلن مدير أمن أجدابيا عن إطلاق حملة أمنية شاملة لمكافحة الهجرة غير النظامية.
ومن ضمن الاجراءات المحلية الاحترازية، أعلنت بلدية زوارة فرض حظر تجوال على جميع الأجانب المقيمين والزائرين داخل المدينة من الساعة الحادية عشرة مساءً حتى الخامسة صباحاً، وذلك حتى إشعار آخر.
وأوضحت البلدية أن القرار يأتي ضمن إجراءات احترازية أقرتها لجنة حصر وتنظيم أوضاع الأجانب، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار والحفاظ على سلامة الأجانب داخل المدينة.
لا أساس قانونياً لوجود مفوضية اللاجئين في ليبيا
وفي هذا السياق، قال مندوب ليبيا السابق لدى الأمم المتحدة إبراهيم الدباشي إن وجود مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في ليبيا لا يستند إلى أي أساس قانوني، موضحاً أن قبول ليبيا بوجود ممثل للمفوضية كان مؤقتاً ومحصوراً بمتابعة ترحيل لاجئين صوماليين في مطلع التسعينيات.
وأضاف الدباشي في منشور له على حسابه بموقع فيسبوك، أن المفوضية تجاوزت هذا الدور لاحقاً عبر منح بطاقات لاجئ لمهاجرين أجانب وإقامة قنوات اتصال موازية، واعتبر أن ذلك ساهم في تعقيد ملف الهجرة.
ودعا الدباشي إلى إغلاق مكتب المفوضية وإنشاء جهة ليبية مختصة تتولى إدارة الملف وفق القوانين الوطنية، مؤكداً أن تحديد صفة اللاجئ يجب أن يبقى من اختصاص السلطات الليبية.
عوامل داخلية ساهمت في تفاقم ملف الهجرة
أكدت المنظمة الليبية لحقوق الإنسان أن التعامل مع هذا الملف يتطلب مقاربة واقعية ومسؤولة تستند إلى معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة بعيداً عن التجاذبات السياسية وتبادل الاتهامات.
وأوضحت المنظمة أن تفاقم الظاهرة لا يرتبط فقط بضعف الرقابة الحدودية أو نشاط شبكات التهريب والاتجار بالبشر، بل يعود أيضاً إلى عوامل داخلية ساهمت في انتشار المهاجرين داخل المدن والمناطق السكنية.
وأضافت أن استئجار العقارات والمزارع والمخازن للمهاجرين بصورة مخالفة للقانون، إلى جانب تشغيل العمالة غير النظامية بأجور متدنية، أسهم في توفير بيئة تساعد على استمرار الإقامة غير القانونية وتفاقم الأزمة.
لا صلاحيات سيادية لنا في ليبيا ودورنا إنساني بحت
وكانت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، نفت في تصريحات تلفزيونية، أن تكون تنفذ أي برامج لتوطين المهاجرين داخل ليبيا، مؤكدةً أن دورها لا يمتد إلى رسم سياسات الهجرة أو الحلول محل مؤسسات الدولة الليبية.
وأوضحت المفوضية أنها لا تملك أي صلاحيات سيادية تتعلق بالمهاجرين، وأن جميع أنشطتها تجري بالتنسيق الكامل مع السلطات الليبية، وتقتصر على تقديم الدعم الإنساني والفني للفئات التي تحتاج إلى حماية دولية، كاللاجئين وطالبي اللجوء وعديمي الجنسية.
وشددت على أن عملية تسجيل اللاجئين لا تمس صلاحيات ليبيا السيادية في إدارة الهجرة وتنظيم الإقامة، ولا تحول دون عودة أي شخص إلى بلده متى اختار ذلك طوعاً.
وكشفت المفوضية أن أكثر من 83% من المسجلين لديها هم من السودان، مشيرةً إلى أنها تعمل بالتنسيق مع ليبيا والمجتمع الدولي على إيجاد حلول مستدامة لمن يحتاجون إلى حماية دولية، بما في ذلك الإجلاء إلى دول ثالثة عند الاقتضاء.
الحكومة الليبية: ملف الهجرة غير الشرعية قضية سيادية ولن نقبل بأي توطين أو إعادة توطين داخل البلاد