الناير اليعقوبي
بين رمال الجنوب النازفة بالأفارقة وأمواج أوروبا اللاجمة لأفواجهم، يشكل ملف الهجرة غير القانونية ، هاجساً و تهديداً لسيادة وطن يُراد له أن يغدو ضحية “قاعة انتظار” كبرى تذوب في أتونها هوية الليبيين على مدى عقود قادمة.
شتان بين ” دولة عبور ” أرهقها تدفق المهاجرين و اللاجئين على حد سواء ، وبين ” دولة مقصد ” تلتهم الشعارات الإنسانية الأممية – بقصد أو دونه – هويتها على البارد ، الأمر الذي أيقظ شعوراً بالخوف على وطن قد يتحول إلى مسخ لا يشبه ليبيا التي استخلفنا الأجداد عليها.
لماذا تتحمل ليبيا وزر أزمات سياسية و اقتصادية لقارة بأكملها ؟ و لماذا تُدفع في اتجاه أن تَدفع فاتورة باهظة الثمن نيابة عن غرب كانت نزاعاته الاستعمارية سبباً في تجريف أفريقيا و سوقِ أبنائها الى هذا المآل؟
إن ما تصفه رئيسة بعثة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ليبيا ” كارمن صخر” بكرم ضيافة الليبيين للوافدين هو كلمة حق تُستغل و تُستثمر في قطف ثمار لأوروبا تعود بالضرر على ليبيا .
و تصريحها بأن الدور الأساسي للبعثة تجاه المهاجرين يقتصر على تسهيل ” إعادة التوطين في دول ثالثة و دعم برامج العودة الطوعية الى بلادهم الأصلية ” هو مُراوغة دبلومسية لا أفق لها ،تقال من باب إبقاء أبواب ليبيا مُشرعة على مصراعيها إلى أجلٍ غير مُسمى.
هيبة الدولة لا تُبنى بحسن نية إشادات و بيانات أممية وراءها ما وراء أكمة المجتمع الدولي ، إنما بقوانين محلية تنفذ بالكلمة، تحفظ التركيبة الديموغرافية للمجتمع و تصون الهوية الوطنية من أي تشوهات تخترق حدودها و تهدد وجودها .
الحقيقة التي لا تقبل المساومة ، أن السيادة الوطنية ” خط أحمر “، وأن رتق ثوب الهوية الليبية يبدأ من اجتثاث جينات التوطين في أرض شاسعة لشعب صغير يلفظ بالفطرة مشاريع ” الوطن البديل”.
و بعد .. رسالتان لابد منهما :
أولاهما إلى بعثة الأمم المتحدة في ليبيا : ارفعوا وصايتكم ، فما كنا يوما بحاجة لدروسكم و بياناتكم .. أفريقيا جذورنا، ونسيجنا عصي على التمييز والتحريض، و قلقكم المصنوع لذر الرماد في العيون لن يثنينا عن مواجهة مبادرات و مشاريع أممية يحيط بها الكثير من التوجس و كان حريا بكم أن تعالجوا قضايا المهاجرين ببرامج فعلية استباقية تبقيهم في بلدانهم .
ثانيتهما إلى الداخل الليبي : إن تسييس ملف الهجرة في الأزمة الليبية واختزاله في طرف دون الآخر هو تسطيح لأزمة تمس الأمن القومي ، ذلك أن تأمين الحدود مسؤولية تضامنية تناط بمؤسسات سيادية ، عسكرية و أمنية ، تتوسد نوافذها كامل شاطئ البحر ، واقع حالها مُنقسم و جهودها مُشتتة ، و التصدي لسيول المهاجرين يستوجب فورا الالتفاف حول المشترك الوطني الذي يجمع قوة القانون و قانون القوة في دولة واحدة على امتداد الوطن.