أصدرت دار الإفتاء الليبية بيانًا توضيحيًا بشأن عمليات حجز الدولار عبر منظومة المصرف المركزي، دعت فيه المواطنين إلى التوقف عن إجراء هذه المعاملات المالية مؤقتًا، إلى حين اتضاح الجوانب الشرعية المرتبطة بطريقة تنفيذها وآلياتها الفعلية.
وأكدت الدار أن موضوع حجز الدولار عبر المنظومة الإلكترونية أصبح محل تساؤلات يومية من قبل المواطنين، خصوصًا فيما يتعلق بمدى توافق هذه المعاملات مع أحكام الشريعة الإسلامية، الأمر الذي دفعها إلى متابعة الملف بشكل مباشر مع المصرف المركزي الليبي.
وأوضحت دار الإفتاء أنها خاطبت المصرف المركزي، كتابيًا وشفهيًا، من أجل الحصول على توضيحات دقيقة حول طبيعة الإجراءات المتبعة في عمليات بيع الدولار وآلية تنفيذ العقود المالية المتعلقة بها، إلا أنها لم تتلقَّ حتى الآن ردًا رسميًا من إدارة المصرف أو من اللجنة الشرعية التابعة له.
غياب الرد الرسمي يعطل إصدار فتوى نهائية
وأشارت دار الإفتاء إلى أن عدم حصولها على المعلومات التفصيلية المتعلقة بطريقة تنفيذ المعاملة حال دون إصدار فتوى واضحة ونهائية بشأن مشروعيتها، مؤكدة أن الحكم الشرعي في مثل هذه المسائل يعتمد بصورة مباشرة على تفاصيل التنفيذ الفعلي للعقد المالي.
وبيّنت الدار أن من أهم شروط صحة عقد الصرف في الشريعة الإسلامية تحقق التقابض الفوري بين العوضين داخل مجلس العقد، معتبرة أن أي تأخير في التسليم أو القبض قد يؤدي إلى وقوع المعاملة في دائرة الربا المحرم شرعًا.
وأكد البيان أن غياب الشفافية الكاملة حول خطوات تنفيذ عمليات الحجز والصرف يجعل من الصعب الجزم بصحة هذه المعاملات من الناحية الشرعية، ما استوجب الدعوة إلى التوقف عنها مؤقتًا حتى تتضح الصورة بشكل كامل.
ثلاثة احتمالات لطبيعة تنفيذ المعاملات
وفي إطار توضيحها للمسألة، استعرضت دار الإفتاء ثلاث فرضيات محتملة لطريقة تنفيذ عمليات حجز الدولار عبر المنظومة التابعة للمصرف المركزي.
الاحتمال الأول: شركات الصرافة تشتري الدولار ثم تبيعه للمواطن
أوضحت الدار أن الاحتمال الأول يتمثل في قيام شركات الصرافة بشراء الدولار من المصرف المركزي وتملكه فعليًا قبل إعادة بيعه للمواطنين.
وفي هذه الحالة، تساءلت دار الإفتاء عما إذا كان التقابض الفوري بين الأطراف يتم بصورة صحيحة أم لا، باعتبار أن تحقق هذا الشرط يُعد عنصرًا أساسيًا لصحة عقد الصرف شرعًا.
وأكدت أن أي خلل في عملية التقابض أو وجود تأخير بين الدفع والاستلام قد يجعل المعاملة غير جائزة من الناحية الشرعية.
دار الإفتاء الليبية تجدّد تحريمها لضريبة بيع النقد الأجنبي وتصفها بـ”المال المغصوب”
دار الإفتاء تدعو الليبيين لتحري هلال شوال مساء الخميس لتحديد موعد عيد الفطر
انطلاق أعمال لجنة تحري هلال رمضان 1447هـ بدار الإفتاء الليبية
شركات الصرافة تعمل كوكلاء للمصرف المركزي
أما الاحتمال الثاني، فيقوم على أساس أن شركات الصرافة لا تملك الدولار فعليًا، وإنما تعمل بصفتها وكيلًا عن المصرف المركزي مقابل الحصول على عمولة أو أجر نظير تقديم الخدمة.
وفي هذه الحالة، شددت دار الإفتاء على ضرورة أن يتم تسليم الدولار للمواطن فور الموافقة على المعاملة، دون أي تأخير زمني بين الدفع والتسليم.
وأوضحت أن التأخير في تنفيذ عملية التسليم قد يفتح بابًا لشبهة الربا، وهو ما يتطلب وجود إجراءات واضحة ومعلنة تضمن تنفيذ العملية وفق الضوابط الشرعية.
المصارف المحلية تنفذ العملية فعليًا
كما أشارت دار الإفتاء إلى احتمال ثالث يتمثل في أن شركات الصرافة ليست سوى واجهة شكلية، بينما تتولى المصارف المحلية تنفيذ المعاملة بصورة مباشرة.
وأكد البيان أن أي تأخير في تسليم الدولار ضمن هذا السيناريو يجعل المعاملة ربوية ومحرمة شرعًا، مشيرًا إلى أن العمولات التي تتحصل عليها شركات الصرافة في هذه الحالة قد تُعد غير مشروعة إذا كانت مرتبطة بمعاملة مخالفة لأحكام الشريعة.
تحذير من مخاطر الربا في المعاملات
وشددت دار الإفتاء الليبية على خطورة الوقوع في الربا، معتبرة أنه من الأبواب الخطيرة في الشريعة الإسلامية لما يترتب عليه من آثار دينية واقتصادية واجتماعية.
كما دعت المواطنين والمصارف وشركات الصرافة إلى ضرورة التثبت من سلامة الإجراءات المالية ومدى توافقها مع الأحكام الشرعية قبل الاستمرار في تنفيذ هذه المعاملات.
وأكدت أن التسرع في الدخول في معاملات مالية غير واضحة من الناحية الشرعية قد يوقع الأفراد والمؤسسات في مخالفات شرعية يتحملون مسؤوليتها.
دعوات لزيادة الشفافية وتوضيح الإجراءات
ويرى متابعون أن بيان دار الإفتاء يسلط الضوء على الحاجة إلى مزيد من الوضوح والشفافية في آليات تنفيذ عمليات بيع العملة الأجنبية داخل ليبيا، خاصة مع اتساع استخدام المنظومات الإلكترونية المتعلقة بحجز الدولار.
كما يطالب مختصون بضرورة إصدار توضيحات رسمية من المصرف المركزي بشأن آلية تنفيذ هذه المعاملات، وتحديد دور شركات الصرافة والمصارف التجارية بصورة دقيقة، بما يضمن حماية المواطنين من أي شبهات قانونية أو شرعية.
ويأتي هذا الجدل في وقت يشهد فيه ملف العملة الأجنبية اهتمامًا واسعًا داخل ليبيا، مع استمرار الطلب المرتفع على الدولار واعتماد شريحة كبيرة من المواطنين على المنظومات المصرفية الإلكترونية للحصول على العملة الصعبة.
ترقب لرد المصرف المركزي
وفي ختام بيانها، أكدت دار الإفتاء الليبية أن موقفها الحالي يقوم على الدعوة إلى التوقف عن هذه المعاملات إلى حين اتضاح الإجراءات الشرعية بشكل كامل، مشيرة إلى أنها بانتظار رد رسمي من المصرف المركزي واللجنة الشرعية التابعة له.
كما شددت على أهمية التعاون بين الجهات الدينية والمالية لضمان تنفيذ المعاملات المصرفية وفق ضوابط قانونية وشرعية واضحة، بما يحفظ حقوق المواطنين ويجنبهم الوقوع في معاملات قد تكون محل شبهة أو مخالفة شرعية.

