علي الساحلي
جَرِّدْ بديعَ القَولِ والإفصَاحِ
في مَدحِ خَيرِ مدينةٍ يا صاحِ
فَخرُ المدائنِ لا أبا لَكَ مَدْحُهَا
فَرْضٌ على الشُّعَراءِ والشُّراحِ
صاحب سيرتنا اليوم المتغني ببنغازيه هياما وتتيما ليس فقط رجل أدب وشعر وعمق مقالي لا يضاهى ..هو ذاك الإنسان الأكاديمي المثقف أيضا تحدث عدة لغات أجنبية … تميز بوطنيته وشرف مهنته كما طيب معشره بين أهل مدينته وكل من عرفه وعاشره .. إذا جلست مع أحد معارفه سيقول عنه كان شابا ذكيا وطنيا في بداية الحديث عنه ثم يواصل ربما لأنه فطن عرف بالذكاء لا تفوته فائتة ولكنه غير عجول بل الخبرة مع التعليم والتجارب جعلته محنكا .. هذا ما جعله يصل إلى تولي كل هذه الأعمال المهمة التي شغلها :
فكان الأستاذ والاكاديمى في التعليم العالي كأستاذ للغات اللاتينية بجامعة قاريونس..وهو رجل الدولة والسياسة الذي تولى خلال مسيرته وزارات [ المواصلات _ المالية _ العدل _ الداخلية ] وأتقن دوره فيها كما عين سفيرا لليبيا في [ بريطانيا _ ايطاليا ] وليس هذا فحسب بل انه لفترة طويلة استلم مهام ” رئيس الديوان الملكي ” .
إنه ابن بنغازي الدكتور علي سليمان الساحلي .. المولود فيها بتاريخ 8 / 4 / 1924 م وكانت بدايته من الكُتّاب حتى إتمام الدراسة بالمدارس الايطالية .. وقد قاده حبه للعلم ، لاتمام دراسته بالجامعة البريطانية فى مصر ، حتى تحصل على إجازة القانون من جامعة لندن عام1951م .. ثم تحصل على شهادة الدكتوراه في الأدب من جامعة فينيسيا عام 1976 م .. وكم كان الوطن بحاجة لأمثاله يعول عليهم في البناء ففي بداية الخمسينيات مع تحصله على ليسانس القانون انخرط في وظائف عدة فعرف كناظر للعدل في ولاية برقة في العام 1952م _ ثم كرئيس للمجلس التنفيذي لولاية برقة عام 1954 م وتتالت المهام التأسيسية من وزارة لأخرى المواصلات والماليه ثم العدل فالخارجية حتى العام 1957 م .. وكأن لزاما عليه بعد تأسيس داخلي في الوطن أن يشاهد العالم الأوروبي كيف تهيئ ليبيا أبناءها كدبلوماسيين متمكنين بكل أدواتهم العلمية واللغوية والإتيكيت فعين الساحلي في العام 1959 لكل مؤهلاته وقدراته سفيرا لليبيا في بريطانيا وقد تولى قبلها بعام واحد أي في 1958 مهمة رئيس الديوان الملكي وشغلها سبع سنوات حتى وهو في الخارج كسفير .. كما في العام 1961 م وأثناء الحرب العالمية الثانية زار ونستون تشرشل برقة .. وكان تشرشل أو تشرتشل رئيس وزراء بريطانيا .. فكلف الدكتور علي دليلاً ومترجماً شخصيّاً لونستون طوال جولته في المناطق الشرقية في ليبيا.
لم تحده المهام السياسية الوطنية ومشاغله الجمة عن الخط الأدبي الشعري مطلقا فقد نظم الشعر بنوعيه الفصيح والشعبي غير أنه ما يزال مخطوطاً ولم ينشر للأسف وربما نلوم أبنائه في هذا الدكتور الوزير السابق للتعليم سليمان الساحلي والطبيبة الشاعرة الفذة هند الساحلي ربما بعد هذه السيرة التي نجمعها للأديب الدبلوماسي الراحل يفكران وهما أهل الشعر والأدب والعلم أن تطبع مخطوطات والدهما كبير القيمة الأدبية كما العملية والوطنية الدكتور علي سليما ن الساحلي الأدبية والتاريخية إذ صاحب الأدب قلمه القانوني والدبلوماسي فقد خرج من بريطانيا إلى إيطاليا أيضا كسفير للمملكة الليبية هناك عام 1965 م ليعود للوطن في العام 1967 م حيث أصبح وزيرا للداخلية في ذات العام وأواخره قرر الاستراحة من معاناة التجوال والأعمال الصعبة ليمارس هوايته وقدراته اللغوية عبر مكتب للترجمة القانونية مكونا مشروعه الخاص بعد أن تقدم الدكتور علي سليمان الساحلي باستقالته للملك ليعفى من العمل الحكومي والدبلوماسي .. متفرغا للغاته الخمس (( العربية . الإيطالية . الإنجليزية . الألمانية . واللاتينية )) التي يتقنها شفاهة وكتابة كلها .. عبر مكتبه الخاص للترجمة القانونية .. ليس ذلك فحسب بل اتجه بشهادته الأكاديمية في القانون لمهنة المحاماة والاستشارات القانونية .
الساحلي حين استدعته الجامعة الليبية ليكون أستاذا للغات فيها لم يتوقف عند ذلك بل ترجم كثيرا من الوثائق المتعلقة بتاريخ الجهاد من اللغة الإنجليزية والإيطالية إلى العربية ويقال إنها للأسف حتى تاريخ بحثنا في سيرته ومسيرته العظيمة الشائقة والشاقة في آن لم تر تلك الوثائق النور ويعتقد أنها ظلت في قسم خاص بالمكتبة المركزية بجامعة قاريونس والقسم مخصص بسنوات العهد الملكي في ليبيا ربما ترى النور قريبا بالحث على طباعة عديد مخطوطات الدكتور علي الساحلي الأدبية والعلمية التي لم يتسن لها أن تصدر بين طيات كتب والسبب مجهول !!!! .
الدكتور الشاعر الأديب المؤرخ علي سليمان الساحلي كان له دورا كبيرا في تجميع الشعر الشعبي مع كونه شاعرا يفهم مرامي الكلمة الشعبية ويضعها في قصائده التي سمعها عنه كثر كما كتبها منظومة مرتبة بالإيقاع الشعبي الذي يجيده تماما وعكف خلال ترأسه للجنة جمع التراث المادي واللامادي على تجميع كل ماوقع تحت يديه من شعر شعبي يحمل صورا وملامح وشواهد للتاريخ والموروث وحركات الجهاد وغيرها من حياة ويوميات الليبيين .. وأثبت عدد من الباحثين في حياته ومسيرته أن مجلدين كبيرين من أرشيفات محفوظة في جامعة قاريونس تحوي هذه القصائد مع تحليل مقارن لها ومنها المشهور وحتى مالم يكن على لسان الناس متداولا .
في المجال الأدبي الشعري عرف الساحلي محاضرا في مجال مهم هو الدارسات المقارنة بين الشعر الشعبي والشعر العربي. _ كما أعد رحمه الله وكافاه بما أفاد المكتبة الليبية الثقافية من علوم وكتب وأدبيات أعد كتاب «دليل مهرجان عمر المختار» ليصبح الكتاب دليلاً أساسياً للباحثين في تاريخ الأجداد كونه يحتوي على مجموعة كبيرة من الصور والوثائق عن حقبة الجهاد التي جمعت من ليبيا والأرشيف الإيطالي، وقد نشرته جامعة قاريونس سنة 1979م.
_قدم ورقة بعنوان «أحمد رفيق المهدوي والأدب الشعبي» في المهرجان الذي أقيم لتخليد الذكرى العاشرة لوفاة أحمد رفيق المهدوي.
_ترجم عن الإيطالية مقالاً بعنوان « انتصار هانيبال في كاني : عمل استراتيجي باهر حسده عليه نابليون »- نشرتها مجلة الثقافة العربية في العدد 10 للسنة 15 لصدورها.
_بذل جهداً كبيراً في التعريف بجهاد البطل التشادي (قجة عبد الله) من أجل تحرير ليبيا، ومن ثم تكريمه ومنحه نيشان الاستقلال مع مرتب شهري.
_قام بعدد من التراجم لنصوص متنوعة بلغات عديدة منها الألمانية والإنجليزية والإيطالية.
_ألقى العديد من المحاضرات عن الأدب الشعبي خلال فترة عمله بالجامعة وحتى بعد تقاعده، احتوت مقارنات بين الشعر الشعبي والشعر الفصيح، وكانت آخر محاضرة قدّمها بعنوان «أدبنا الشعبي: أصالته وبلاغته» في الرابع من رمضان عام 2002م.
_ترك مجموعة من المخطوطات، من بينها دراستان الأولى بعنوان «شعرنا الشعبي أصالته وبلاغته»، والثانية «دراسات في الأدب الشعبي».
ختاما // سيرة متكاملة للدكتور الساحلي متاحة في كتاب للدكتور محمد البرغثي كما نشر كثير منها عبر وسائل الاتصال الفترة الزمنية الأخيرة مشفعة بمصادر المعلومات والصور التوثيقية للمواقف والأعمال والمواقع قال الأستاذ رجب محمد بونخيله أنها متوفرة للدارسين والراغبين استزادة معرفية عن حال بلادهم ومناضليها بالكلمة والعلم والأدب وربما تم نقلها بتصرف وزيادة ، مع اختلاف الصياغة اللغوية .. رحم الله الدكتور علي سليمان الساحلي الذي انتقل الى رحمة الله ورضوانه يوم جمعة بتاريخ 21 / مايو / 2004م حيث كان في رحلة علاج بالأردن الشقيق وتوفي هناك ولكنه دفن في مسقط رأسه بنغازي يوم إثنين الموافق 24 / مايو/ 2004م م .
قالوا: “هنا بنغازي”، قلتُ
وهل سِوَى ” بنغازي “
ملعَبُ صَبْوَتي ومَراحي
بنغازي مَهدُ طفولتي وفتُوَّتي
ورجولتي وكهولتي وكفاحي
أزكَى منَ الرَّيحانِ رِيحُ سِباخِها
بل من أريجِ المسكِ والتّفاحِ
ضمَّتْ كِرامَ القَومِ صِيدٌ أهلُها
جُبِلوا على الإيثارِ غيرُ شِحاحِ
شُمُّ الأنوفِ رُؤوسُهم مرفوعةٌ
لا ينحنون لظالمٍ سفَّاحِ
يتسابقون إلى المكارِمِ والعُلا
وإلى فِعالِ الخيرِ والإصلاحِ
لا يرهبون الموتَ عندَ حُدودِها
يفدونها بالمالِ والأرواحِ
كمْ بينهم أعْتزُّ عندَ لقائِهم
من إخوَةٍ غُرِّ الوجوهِ صِباحِ
أزهو بصُحبتِهم وأفخرُ شامخاً
سِيَّانِ في فَرَحٍ وفي أتْراحِ