رضوان بوشويشه
بيوغرافيا حياتية تسرد اليوم حكاية أديب . صحفي . فنان تشكيلي . مسرحي … تنوعه الفكري بدأ بعلاقته الوثيقة بمسقط رأسه التي تبعد عن طرابلس حوالي 80 كم العزيزية ومنها إلى دول أوروبية تتلمذ فيها فنونه وطرح أفكاره واستقى أفكارا بكل هذا التنوع الفكري تميز عن غيره من الشخصيات التي تتفرد في إبداعاتها بما تملك من أشياء تقولها عبر منافذ كثيرة نص مسرحي تارة .. قصص قصيرة تارة أخرى .. ثم لوحات تشكيلية كل منها تسرد حكاية وتعبر عن شيء وتبرز مكانا أو حيوات .. وكتابات تاريخية توثق لتاريخ أمة ليبية كان لها مالها .
الكاتب الناقد سالم العوكلي كتب عنه قائلًا: « يصوم رضوان عن الكلام لكن لوحاته لا تكف عن الكلام بلسان طفل يتعرف على الكائنات حوله لأول مرة». ويضيف بعين الناقد التشكيلي الخبير قائلًا: «التشكيل سمة مهمة من سمات قصة رضوان تضاف إلى كل العدة البصرية التي تقف خلفها وفيها، لذلك حين خاض غمار الرسم متأخرًا بعض الشيء لم يكن مفاجئًا بروز لوحاته الأولى كملمح (رضواني) يخصه في التشكيل الليبي على الأقل رغم ثقته بأنه يركض ضمن مضمار عالمي لهذا الفن الذي يعرف تاريخه وأسراره جيدًا. ومنذ البداية اتكأت لوحته على خبرته في الاختزال أو التقشف اللوني الذي ينبري لثيمات عميقة دون ثرثرة أو حشو. فالعمل الفني بالنسبة له خلق له سيرته الجينية الكفيلة باكتمال كينونته، وأي استطراد أو حشو سيكون نوعًا من التشوه الخَلْقي للوحة، كما كان للقصة ».

إنه الأيقونة الأديب الرسام الليبي رضوان محمد بولايحه بوشويشه .. المولولد في 27 / مارس / 1945م بمنطقة الكومة _ مدينة العزيزية وبدأ مشواره الأجبي والفني في ستينيات القرن العشرين لكنه لم يبدأ فنيا بالريشة واللون بل بتعلم الناي وقد تكلم في أحد اللقاءات الصحفية خارج ليبيا عن حياته ومولده وقريته وتعليمه وفنونه بشكل رائع سلس جذاب فقال بوشويشه :
*(( استهللت تطلعي الفني ، بتعلم الناي في نواحي سيدي رمضان حيث مولدي سنة 1945 في (راقد الراقوبة) بقريتي (الكدوة) التي أظهرتها باسمها القديم في معظم أعمالي .. في لوحاتي التشكيلية، تظهر الكدوة في لوحة «سراب الليل» بشخوص في بياض يهبطون من السماء إلى الأرض أو العكس في لون الماء وضوء الفجر اللجيني حتى يتراءى عبر شفشاف الليل جبل سيدي رمضان … مثل شلّالات أكاكوس التي تتشكل بعد مطر فجائي ، وبعد سنين من الجفاف يأتي المطر فجأة ، وتتشكل الجداول على ضفاف وادي تشوينت (النهر الجاف) وتتبخر فجأة كما ظهرت فجأة .. ورسمتها في لوحة «عام الثلج»، وفي آخر أعمالي في لوحة «شرقي الكدوة» .. مايخص الرواية : أنا كاتب شمولي مع شخصياتي … والتشكيل « في البداية ، بدأت بتطريق الحجر وكنت أرسم وجوه هيئة التدريس بشكل كاريكاتيري ، بدأت أرسم بعد الخمسين من العمر .. وتقول عني ابنتي من زوجتي الأيرلندية ، ساخرة: « أنا عن والدين هما الأغرب في المجموعة الشمسية ، والدي يرسم بعد الخمسين ، ووالدتي عادت لدراستها الأكاديمية بعد الخمسين » .. وجميلتي بنيتي الساخرة من أبيها بحب هي مخرجة سينمائية ، وأستاذة للدراما )) *



كتب رضوان بوشويشه عن تاريخ الرسومات القديمة في أكاكوس _ وادي متخنتوش _ غات .. كما كتب الشعر والقصة والنص المسرحي والمقالة الصحافية وبالفعل كان هذا المبدع ثلة مبدعين في قمة إبداع رجل واحد كلل كل هذا بالفن التشكيلي والعزف من حين لآخر وكان نتاجه وفيرا وكما أثرى بتواجده في مرسمه بباب بحر بالمدينة القديمة الذي يعد أيضا بيته إذ لا مكان إقامة آخر له سوى مكمنه هذا الأنيق باللوحات والكتب وجلسات الناهلين في عشايا المدينة القديمة من صحبه وحتى المارين يلفتهم مافي المرسم من جمال منظم وعشوائي في آن .. ومن إصداراته الأدبية والتاريخية :
_ 1977 / مجموعة قصصية بعنوان ” ملك الموت ” .
_ 1883 / السلفادور من القمع إلى الثورة .
_ 1987 / الشعب الخفي .
_ 1987 / عند باب البحر _ هوامش مجهولة من تاريخ طرابلس.
_ 1996 / موجة حب إلى غرناطة _ مجموعة قصصية وقد ترجمت إلى الإسبانية وأودعت ضمن محفوظات مركز دراسات لبورخيس في الأرجنتين .
_ نصوص درامية من التاريخ .
_ 2008 / أقواس المطر _ رواية سخرت لتكون فيلم سينمائي .
_ حمودة الزاهي / نص مسرحي _ وكيف أصبح نصا هذا له حكاية قصيرة طويلة فقد مزق رضوان جزء كبير من روايته (حمودة الزاهي ) التي كتبها في دبلن نعم كانت رواية ، ليتحول ماتبقى منها الى مسرحية مشهورة بعد سنوات طويلة من كتابتها .


ختاما .. لملمت بعض البوح الجميل عن هذه الشخصية من عديد من عرفوه في الوسط وتعايشوا أعماله لوحات أو قصص أو تاريخ مناطق ومواقع وأناس نعوه كلهم بكلمات تقطر حبا وحزنا معا في 21 / 11 / 2021 م قائلين عنه فاكهة المواسم الأربعة وهرم الإبداع الذي ظل حتى قبل مرضه وهو في عمر 76 عاما حيث فاضت روحه وهو يتألم ويبدع صمت هو وإبداعه لم يصمت .. أتركه هنا بين دفتي قلب القارئ لا تحت نظره فحسب .. ليتعرف على هذه الشخصية المؤثرة التي توفيت في .
_ وصفه الأستاذ بشير زعبية :
رضوان بوشويشه / فاكهة المواسم الأربعة في مذاق الثقافة الليبية، وهو من سلالة مبدعين ما جاءوا إلا لنسج البهاء، وصناعة البهجة ، كتب الشعر والقصة والنص المسرحي ، ولكنه «هرب من الرواية» كما رآه الكاتب منصور أبوشناف .
رضوان أبوشويشة أيضًا من أبرز كُتَّابنا الذي حملوا هم تاريخ طرابلس، المدينة التي لا تعرف إن كانت هي التي تحتضن رضوان ، أو من يحتضنها ، كتب عنها وعن أبوابها وباب بحرها الأقرب إليه ، الذي يفضي إلى قلب المدينة القديم ، حيث مرسم رضوان الذي تتراقص في فضائه الخطوط ، وتتناغم الألوان وتتشكل الزوايا ، هناك بيت رضوان فلا بيت يملكه ، وهناك لا تعرف إن كان رضوان يرسم لوحة لطرابلس ، أم هو نفسه ومرسمه وريشته تفصيلًا في لوحة اسمها طرابلس ، إنه حارسها أيضًا ، هكذا تراه وهو يجوب شوارع وأزقة المدينة ، قبل أن يتركها وراءه ويخطو صوب بحرها ، يتفحص كورنيشها ، ويرنو إلى الأفق، وكأنه يتذكر مفتاح غرناطة الذي أغرقه في هذا البحر يوما ما.. ستقول لنفسك وأنت تراه يجلس هكذا أحيانًا مفترشًا الأرض، لو تمكّن من الناي الذي أحب تعلم العزف عليه في صباه، لكنت سمعته يعزف مقطوعة طرابلس أو غرناطة، أو الاثنتين تتناغمان معا .


_ المحامية والقاصة عزة كامل المقهور فتقول:
رضوان بوشويشة حكاية… حكاية ليبية، تمتد جذورها في أعماق الصحراء، لكنها تتمازج مع البحر المتوسط. فصولها في السرايا وبيت البي وقصور غرناطة. فصولها الحديثة في مرسيليا والقاهرة وتونس ولندن ودبلن. رضوان بوشويشة المقاوم بالمحبرة والقلم.. بالريشة واللون، مثال المثقف الذي لم يهادن السلطة، ولم يجعل من ثقافته سُلما للوصول إليها.. ظل مثقفا في عالمٍ غلافُه من الكتب، ودرجاتُه من الحروف.. لوّنه وأثثه بلوحاته التي تمتزج فيها الحضارات المتوسطية. تقاوم معه عوالم أخرى لا تعرف إلا كلمة واحدة هي القتل ولونان قاتمان هما الظلمة والدم) . من الصعب تلخيص ما كُتب عنه ، فهو إنسان بحجم ثقافة كاملة، وحزمة من المواهب الإبداعية.
_ كتب عنه الروائي والناقد محمد الأصفر عام 2008 في مقال مطول عنونه الكتابة بريش الهدهد فقال :
‘ أقواس المطر’ رواية سينمائية صدرت أخيرا عن منشورات اللجنة الشعبية للثقافة والإعلام الليبية من تأليف الكاتب والفنان رضوان بوشويشة.. ورضوان بوشويشة من الكتاب الليبيين المهتمين جدا بتاريخ ليبيا القديم والحديث فمعظم أعماله الأدبية والتشكيلية تتخذ الخلفية التاريخية الليبية شبه منطلق لها.. وهو من الكتاب السباقين للتعامل مع التاريخ في شعرهم ورسوماتهم ونحتهم وقصصهم ومسرحهم.


_ الناقد الأديب سالم بوظهير .. في تقرير كامل عن المبدع المرحوم صاحب السيرة والمسيرة اليوم كتب بتاريخ 18 / 4 / 2014 م وهو في مدينة مانشيستر قال عنه الكثير ولم أرغب إلا أن أنقل أجزاء كبيرة من التقرير الأدبي عن بوشويشه ودون تصرف قال :
كتب رضوان الرواية ولكنه لم يكن على وفاق معها ففي دبلن مزق جزء كبير من روايته (حمودة الزاهي ) ليتحول ماتبقى منها الى مسرحية مشهورة بعد سنوات طويلة.وفي عام 1970 عاش رضوان حياة سعيدة للغاية في غرناطة كان قد مضى على زواجه السعيد عامين ويعيش قصة حب جميله ،يسكن في زنقة القديس أوغسطين ، مقابل قصر الحمراء، وجنات العريف،وخلف بيته الجميل جبل الثلج والشمس (سيرا نيفادا) ، وهناك كما يقول رضوان” تسنى لي ان اغرس الزهور أول مرة في حياتي، وكانت من القرنفل الوردي”. في هذه الاجواء كتب رواية أعجبته كثيرا وأرسلها بالبريد الى الإدارة العامة للثقافة في ليبيا ليشارك في مسابقة للرواية منحوه الجائزة الثالثة بعد أن حجبت الجائزة الأولى، رفض رضوان قبول الجائزة وسحب روايته ولم يوافق على نشرها , وهذا مايؤكد قول صديقه الحميم الكاتب والناقد منصور أبو شناف من إن رضوان أبو شويشة رجل هارب من الرواية.
القصة عالم أخر يزخر بها راس المبدع رضوان الذي همه الاول كما قال أن تصل قصصه إلى الناس الذين لا يقرأون الكتب، معضم قصص رضوان كتبها بالانجليزيه وترجمت الى العربية ، ومن المستحيل أن تجد بعضها في المكتبات الان ، لأنها نفدت ولم بعاد طباعتها. عام 1975صدرت له مجموعته القصصية الاولى(ملك الموت)، وبعد عشرين عام صدرت مجموعته الثانية (موجة حب إلى غرناطة) تضمنت هذة المحموعات قصص مثل (ساقية وادي الهيرة)، و(فراغ الجيوب)، و(حكاية بورخيس) التي ترجمت إلى الاسبانية في بوينس ايرس، ونشرت في مجلة (الميرادور) واودعت في مركز دراسات لبورخيس في بوينس ايرس .
في المسرح كتب رضوان مسرحية (حمودة الزاهي ) وعندما يتحدت رضوان عن (حمودة الزاهي ) تشعر أن الزاهي هو رضوان ولد بوشويشة وليس شخصية في نص مسرحي يقول (مسرحية حمودة الزاهي حصيلة عمل طويل مستمر على مدى أكثر من عقد، هي خلاصة التاريخ الليبي بنص درامي، اظهرت فيه وعلى مهل فصوص الزمن الذهبي لليبيا ما قبل التاريخ، حيث اكتشف الانسان الليبي، العاقل الوعي والفن والدين قبل آلاف من السنين المتطاولة، وكانوا من أوائل الشعوب التي كتبت التاريخ بالفن قبل اكتشاف الكتابة . ثم حل الجفاف العظيم، حين بدأت الصحراء تتعرى على مهل قبل عشرة آلاف سنة تقريباً، والذي ما يزال مستمراً حتى الآن، فهاجر الناس إلى مصر وغرب أوروبا في منتصف عصر الجفاف، والذين بقوا عاشوا يكابدون الجفاف وقلة المياه) .
عاش بوشويشه فترة من شبابه كسندباد يحوب العالم متنقلاً بين العواصم والمدن الشهيرة من برلين ،الى كوبنهاجن ،الى دبلن وبعدها لندن و مراكش ، ثم غرناطة في الحنوب الاسباني الجميل. من أصدقاء رضوان أبوشويشة الذين تعرف عليهم والتقى بهم وتحدث اليهم واستفادوا منه واستفاد منهم : فرانسيس بيكون الرسام العالمى الشهير التقاه رضوان عام 1960 في أحد حانات لندن ويقول عنه رضوان ” فرانسيس بيكون هو الذي رسم البابا على كرسي الإعدام الكهربائي . وتأثر به البعض من الرسامين العرب، والليبيين ، وقد رحل قبل سنوات، كان بيكون رغم غرابة أطواره في غاية الكرم والاناقة. وكان يتناول نوعاً من الأدوية الغريبة، التي ترسله إلى نوم عميق، وتقوم ممرضة بإيقاظه أثناء فترات الطعام. في لندن تعرف رضوان بوشويشه على ، المؤرخ البريطاني الشهير أ . ج . تايلور ، المتخصص في تاريخ الحروب، وكان تايلور قد قابل في سن مبكرة لينين وستالين ،نشر رضوان مقابلة معه في لندن كما استأجر منه الطابق العلوي من بيته الكبير وكان رضوان يستخدم قارب أ . ج . تايلور ، ومكتبته الضخمة. بينما كان تايلور يقوم بوظيفة جليس أطفال لفرح ابنة رضوان أبوشويشه التي كانت في السابعة من عمرها. ومن أصدقائه شيمسي هيني الشاعر الايرلندي الفائز بجائزة نوبل، يقول عنه رضوان ” جمعتنا مرارا جلسات متعددة في مشرب (ماك ديز) ” رضوان ايضا صديق للمخرج الايطالى (داريو فو) الفائز بجائزة نوبل . وصديق للعالم الايطالي فابريتشيو موري، مكتشف الأكاكوس في ليبيا.من أصدقائه العرب الطيب صالح وعبد الوهاب البياتي ، والصادق النيهوم والجيلاني طريبشان رحمهم الله.



وانا عرفت الاستاذ رضوان أبوشويشة عام 1982 عندما وجدت أحد قصصه في مكتبة أخي محمد الصغيرة في غريان. وبعدها بتلاثة عشر عام كنت في تغطية صحفية لفعاليات مهرجان مسرحي وفي مقهى مسرح الكشاف جلست مع هذا الرجل التاريخ وجها لوجه ، وكنت في غاية الارتباك وانا أطلب منه انطباعاته عن بعض الممتلين في أحد المسرحيات ,وبكل ود قال لي (ياسالم أنت صحفي فدع عنك الانطباعات والحديث عن الممتلين على خشبة المسرح واكتب عن معاناتهم الحقيقية في الحياة ) هذا هو الكبير رضوان أبوشويشه الذي يقول لصديقه الاريتري أبوبكر كهال:( أنا اشعر بالرضا تمام الرضا حين أُدون على محركات البحث في الانترنت ليظهر اسمي واسم ابنتي فرح معاً) ثم يستدرك قائلا : البيت، فأنا سأصل السبعين بعد سنوات قليلة ولا بيت لي ياأبوبكر..!!!!
فعجبي لبلاد تعجز في توفير بيت لرضوان ،ولكنها ستنجب جيلا في زمن ما وسيصنع له تمثالا كبيرأ وربما من ذهب …!!!!


